كتب الصديق العزيز المستنير المنير الدكتور خالد منتصر مقالاً في جريدة (المصري اليوم) بتاريخ ٢٠-٨ بعنوان "هل ظهر مارتن لوثر الإسلامي؟". وفي سياق تعليقه على قرارات مرجعية الزيتونة في تونس التي ساوت بين المرأة والرجل في الزواج والطلاق والميراث، قال منتصر ما معناه إن لوثر قاد ثورة الإصلاح في وقت ساد فيه الفساد على الكنيسة وعمّ الظلام على رجال الدين فأوّلوا النصوص وفسَّروها لخدمة أهوائهم ومصالحهم الشخصية. وقال منتصر ان الاسلام بحاجة للوثر أو لمصلح يقود ثورة الإصلاح والتجديد لكن مارتن لوثر الإسلامي تأخر كثيراً، وكما في مسرحية العبث «في انتظار جودو» ما زلنا فى انتظار «لوثر»،" "انتهى الاقتباس".

وأنا أعتقد أنَّ أي شخص مستنير محب للسلام وللحياة يتمنى ظهور من يصلح ويجدد في مفهوم الدين وتطبيقه المعاصر، وكل الأديان بلا استثناء تحتاج لتطوير تطبيقاتها وإعادة قراءتها في ضوء متغيرات العصر، من دون تغيير للثوابت الإيمانية.

 

الإصلاح المسيحي

أعلم ان مقالي هذا سيجلب الكثير من الهجوم وسأواجه باتهامات او قل نصائح من قبيل: لا تتدخل في هذا الشأن فأنت مسيحي! لكنني لا أبالي بالهجوم لأنني أشعر أننا نشترك جميعاً في الهموم. الغريب أنني تابعت تعليقات بعض المتشددين على مقال منتصر والذين وجهوا له اللوم على استخدام مثال لمصلح مسيحي، وعلقوا باستدعاء ممارسات الكنيسة في عصور سحيقة او سرد نصوص من التوراة منزوعة من سياق رسالة المسيح! ولسنا هنا في مجال حرب او تراشق اتهامات فأنا أحترم كل عقيدة حتى لو لم أؤمن بها.

والحقيقة أن هذا الأمر حقيقي في تاريخ الكنيسة، لكن الكنيسة تطهرت من ذلك وجدير بالذكر أن الكنيسة الإنجيلية (البروتستانتية) في العالم تحتفل هذا العام بمرور خمسمائة عام على الإصلاح الذي بدأه مارتن لوثر وان كانت هناك بعض نصوص العنف في التوراة، لكن العقيدة المسيحية لم تقف عند التوراة لكن تكتمل بالعهد الجديد، وهو ما جاء به المسيح وأحدث نقلة وثورة في مفهوم التعامل مع الدين من مفهوم الدينونة والحساب بحسب الأعمال إلى رسالة الفداء والسلام و المحب، حتى للأعداء ولمن يسيئون ويقتلون ويكفّرون وإن كان (مارتن لوثر) يصيب بعض أصحاب العقول الضيقة بالحساسية فإنني أقول على رأي الفنان الكوميدي فؤاد المهندس "بلاها لوثر وخد عبده"!

 

الحاجة إلى الإصلاح الإسلامي

أعتقد أننا نحتاج الإمام محمد عبده في هذا العصر، وهو الإمام الأزهري الذي مات منذ أكثر من مائة وعشرين عاماً وشغل أعلى المناصب الدينية وهو مفتي الديار المصرية وكانت له العديد من الفتاوى والتعاليم التي أحدثت ثورة فكرية ونقلة نوعية في تطبيقات النصوص الدينية في ذلك العصر.

 

فتاوى عبده الثورية

وكانت للإمام عبده بعض الفتاوى التي أحدثت ثورة في وقتها ومازالت تعتبر ثورية، إذ تصطدم مع بعض ما يعتقد فيه البعض أنه ثوابت نصية جامدة غير قابلة للتطوير!

واريد ان اذكر هنا بعض فتاوى الإمام محمد عبده:

١- "الحجاب والنقاب ليسا من الدين في شيء"، إذ قال إن كل الكتابات التي كانت تلح على ضرورة الحجاب في عصره ركزت على خوف الفتنة، فهو أمر يتعلق بقلوب الخائفين من الرجال، وعلى من يخاف الفتنة منهم أن يغض البصر.

ويقول الشيخ محمد عبده تحت عنوان (حجاب النساء من الجهة الدينية) إنه "لو أن في الشريعة الاسلامية نصوصاً تقضي بالحجاب (النقاب) على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين لوجب علي اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفاً يخالف تلك النصوص مهما كانت مضرة في ظاهر الأمر لأن الأوامر الإلهية يجب الاذعان لها بدون بحث ولا مناقشة. لكننا لا نجد في الشريعة نصاً يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة وانما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء".

٢- أفتى بجواز الربا او فوائد البريد و البنوك.

٣- أفتى بجواز النحت والرسم وسائر الفنون ووصفها بالعلم و الإبداع.

٤-أفتى بعدم جواز تعدد الزوجات إذ إن الجواز مرتبط بتحقيق العدل بين الزوجات وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً.

واخيراً أوكد نعم نحتاج لمصلح او مصلحين جدد أمثال محمد عبده ومارتن لوثر.

رحم الله كل ذي عقل مستنير وأنار عقول كل دعاة العنف والكراهية.

برلماني سابق وسياسي