عندما نغوص في نقاش لمعرفة المسببات التي أدت الى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، سنجد الكثير والكثير. وأنا لا أريد الخوض في التفاصيل فالخلاصة هي ان هذا القرار سيؤدي لإجهاض عملية السلام ولكن أنا أعرض فيما يلي كيف تم التمهيد لهذا الموضوع والبيئة الحاضنة التي مهدت له.

بالطبع استنكرت كل الكنائس المشرقية هذا القرار وعلى رأسها الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية، فهل ادركت بعض القوى السياسية والنخب المشرقية أن الدول العظمى لا تهمها الأديان أو الطوائف أو الحقوق، وأن منظومة الدين لا تدخل ضمن أولوياتها ؟ فما يهمها أولاً وأخيراً فقط مصالحها وأمنها واستنزاف خيرات هذا الشرق.

هذه الدول لا يهمها المسيحيين المشرقيين ولا السريان او الأشوريين ولا الكلدان، فالمصلحة فوق الدين وفوق اي اعتبار.

 

عندما وقعت اتفاقية كامب ديفيد في عام ١٩٧٩ خرجت مصر خارج منظومة الصراع، ومن حينها وبحسب رأيي بدأ تعويم القضية الفلسطينية، وكل ما حصل بعد ذلك لم يكن محض صدفة وانما بدا التخطيط له منذ ذلك الحين. وبالطبع جاء انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١، والذي كان له تأثيره الكبير في هذا المجال لانه كان رأس حربة في فترة الحرب الباردة، ومن بعدها توالت الاتفاقيات من أوسلو حتى وادي عربة. وهنا استذكر قول لبغين: أنا مستعد أن أفاوض العرب عشرات السنين لأني متاكد الى نتيجة لصالحهم...!

 

ومع بداية ما سمي زورا ب "الربيع العربي"، كانت إسرائيل دائماً حاضرة فيما يدور على الارض، فليس هناك ما هو أفضل من أن يدمر العرب بعضهم البعض في عملية تدمير جماعي، سرعان ما تبين انها كانت عملية انتحار مخططة لها جيدا بأيدٍ عربية ومال عربي، فالقوى العظمى بطبيعة الحال تدرك قبل غيرها ان اجندة الدين هي افضل ما يمكن اللعب عليه أضف الى ذلك الجهل والفقر والتعصب المستشري داخل المجتمعات العربية. ومن هنا كانت اللحظة الأمثل لانطلاق الفوضى الخلاقة وهذا ما تحدث عنه بريجينسكي صراحة لتدمير هذه الدول وتفكيك نسيجها وهو التدمير الذاتي باستخدام الدين ولعبة المذاهب واللعب عليها.

 دُمرت الجيوش النظامية في العراق وسوريا واليمن وكان هذا هو المطلوب مع تأجيج الصراعات الطائفية في المنطقة. وكان من اهم انجازاتها ايضا تدمير هذا الارث المسيحي المشرقي وتهجير هذا المكون الاصيل واقتلاعه من جذوره. فلإنشاء كيان صهيوني يجب القضاء على هذا المكون المسيحي المشرقي الاصيل، وليكن عن طريق ما يسمى زوراً بالصهيونية المسيحية التي لا تمت بصلة إلى المسيحية وتعاليمها وانما هي بدعة لتمرير هذا المشروع في المشرق. ولم تكن مفاجأة ان بعض الدول العربية لنفطية بقيت بعيدا عن نيران الفوضى الخلاقة واحترابها فالمطلوب منها هو المال والمال فقط.

 

 صمود سورية لم يكن عاديا لا سيما بعودة روسيا وبقوة كلاعب إقليمي لا يستهان به ضمن المنظومة الدولية. روسيا التي كانت حاضرة على الارض في الملعب السوري بما تعنيه سوريا لها من قوة مشرقية حاضرة في ذاكرتها وإرثها. راهن البعض على خروج روسيا من حلبة الصراع وأخطأ في حساباته. فانسحاب روسيا من المنطقة وعبر البوابة السورية غير ممكن في هذه الظروف، في ظل ظروف تشكل نظام عالمي جديد فلم يعد الحال كما هي سياسة القطب الواحد زمن الاتحاد السوفياتي. وكان الموقف معلناً وصريحاً ألا مساومات بشأن سوريا، والحفاظ على التعددية داخل النسيج السوري وعدم الذهاب الى التقسيم كانت أولويات بالنسبة لموسكو. بالنسبة للدول العظمى من السهل التراجع عندما تكون فرص نجاحها سريعة ومؤكدة ولكن ما حدث في الحرب السورية قلب طاولة الشطرنج وأعاد ترتيب الأوراق من جديد. وطبيعة ما يحصل على الارض تشير الى ان الأزمة سوف تتحول الى أزمات وهذا هر المطلوب في منطقة شرق المتوسط وجنوب شرق اسيا.

 

هذا يعني ان حالة الفوضى مستمرة، فليس عجبا ان تعلن القدس عاصمة لإسرائيل في هذا الوقت بالذات لأن البوابة السورية قلبت احجار الشطرنج.

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة