كم هي مهيبة هذه الثنائيَّة التي تحكم عقل النخبة المسيحيَّة منذ بداية أزمات لبنان في العام 1969. فمنذ هذا التاريخ وصولًا إلى المرحلة الراهنة مرورًا بحروب (1975-1990) والطائف والمرحلة الوصاية السوريَّة وإشكاليَّة المقاومة وسلاحها، تستمرّ النخبة المسيحيَّة في طرح الأسئلة التالية: أين مشروعنا؟ ماهي ملامحه؟ كيف يوقف المسيحيّون مسارهم الانحداري؟

إنَّ الطاولة المستديرة التي نظمها معهد الدراسات المستقبليَّة وموقع اليوم الثالث قد انطلقت من هذه الأسئلة التي طرحها مدير الطاولة الأستاذ ميشال أبو نجم والتي اجتمع حولها كوكبة من المفكرّين والناشطين والصحافيَّين المهتمّين بالشأن المسيحي في لبنان وفي الفضاء العربي.

 

تمحورت تقريبًا الآراء حول فكرتَين أساسيَّتَين: فكرة أولى تقول بأنَّه "كان هناك خطأ في ترسيم حدود سايكس-بيكو". وبالتالي على الجهود أنْ تنصبّ على أمرَين: إمَّا طرح الفدراليَّة في لبنان التي تحمي المسيحيَّين وفكرهم ونمط عيشهم بما يعيدهم أكثريَّة في مناطقهم بخلاف ما هم عليه الآن من أقليَّة في الفضاء العربي ووحتّى ضمن حدود لبنان الكبير، وإمَّا التفكير ببلورة "فكر قومي جديد، مختلف طبعًا عن الفكر العروبي الشمولي السابق – على المثال الناصري أو البعثي – وقائم على فكرة الرفاهيَّة الاقتصاديَّة. بتعبير آخر تتمحور هذه الفكرة على جدليَّة الفدراليَّة على مستوى لبنان الكبير بحجّة "أن لا أقليَّة تستطيع الاستمرار خارج النظام الفدرالي"، أو فدراليَّة على مستوى الإقليم العربي تكون اقتصاديَّة نيو-ليبراليَّة.

 

الفكرة الثانية تقوم على المشروع العلماني بما هو من عمليَّة خلق أرضيَّة مشتركة للعمل المشترك بين المسيحيّين ومسلمين (وغير المنتمين إلى طوائف حتَّى) من ضمن مشروع نهضوي يسعى لتجديد منطومة الفكر بشكل جذري في الفضائَين العربي والإسلامي وبالتالي إعادة تأهيل المجتمعات الشرقيَّة لتكون قادرة على المشاركة في بناء الحضارة الإنسانيَّة واكتساب احترام العالم من جديد. القائلون بهذا الرأي ينطلقون من واقع أنَّ المسيحيّين هم روّاد التجسير في المنطقة، وأنّهم نوع وليسوا بكمّ، وأنهم لا يزالوا قادرين على قيادة مشروع نهضوي بالشراكة مع المسلمين. وهذه الشراكة لتنجح يجب أنْ يكون قائمة على مبدأ التمييز بين الدين والدولة، بحيث يكون الإنسان-الفرد هو الوحدة المؤسِّسة للمجتمع، وليس الإنسان-المؤمن أو الإنسان المرتبط عضويًّا بطائفته. عليه يكون هذا الفرد المرمَّم الكرامة قادرًا على بناء الدولة الحديثة، دولة المواطنة التي تقوم على المبدأ الديمقراطي، هذا المبدأ الذي لم نجرّبه بعد بصدق في مجتمعاتنا المشرقيَّة والعربيَّة.

بقي تيَّار ثالث شدّد بقوّة على ضرورة الإصرار على التمسّك بالتفاهم المسيحي-المسيحي، ووحدة الموقف، ذلك أنَّ التجربة التاريخيَّة إنْ دلّت على شيء فعلى خطورة الإنقسام المسيحي وتأثيره السلبي والمدمّر على وجودهم. كما أصرّ هذا التيَّار على ضرورة الثورة الاخلاقيَّة، وعلى أهميَّة دور الكنيسة ومؤسَّساتها في المحافظة على الوجود المسيحي في المشرق. وإنْ كان هناك من ملاحظات على دور الكنيسة، فإنَّ هذه الملاحظات يجب أنْ لا تكون لتدمير المؤسَّسة الكنسيَّة ولتشويه صورتها بل لتمكينها من دورها المهمّ ضمن المجتمع المجتمع المسيحي. كما ركّز هذا التيَّار في مداخلاته على ضرورة أنْ يكون هناك نقد داخلي بهدف التعلّم من التجارب الماضية وتحديد المسؤوليّات حتَّى لا نعيد ارتكاب الأخطاء السابقة والتي جاءت بنتيجتها مدمّرة للبنان وللوجود المسيحي فيه.

 

ومن المقترحات العمليَّة التي قال بها المنتدون: مسألة ضرورة تشجيع المسيحي على العودة إلى بلدته، والعمل على تكبير حجم العائلة المسيحية بحيث يستطيع الزوجان أنْ يكون لديهما أكثر من ولدين، وهذا يتطلّب أنْ تأخذ الكنيسة على عاتقها التكاليف الدراسيَّة للولد الثالث. كما كان هناك توجّه أساسي عند المنتدين لضرورة العمل الجاد والمستدام على تعزيز موقع رئيس الجمهوريَّة خاصّة وأنَّ الرئيس الحالي، العماد ميشال عون، لديه كلّ المؤهلات التي تسمح بتعزيز هذا الموقع ودورها في الحياة السياسيَّة اللبنانيَّة وفي المحيط العربي. كما كان هناك إصرار على ضرورة أنْ تعمل الأحزاب اللبنانيَّة، خاصَّة المسيحيَّة منها على محاسبة قياداتها بحيث لا نقع في الأخطاء السابقة من جديد.

تبقى طاولات نقاشيّة كهذه ضرورة في ظلّ الأزمة التي يمرّ بها الاجتماع السياسي في لبنان والمنطقة. فالعمل الجادّ إنمَّا يبدأ بالرؤية الثقافيَّة والثورة الأخلاقيَّة. وعلى ما كان يردّده مؤسس أحد أبرز المنابر الثقافيَّة والفكريَّة في لبنان "الندوة اللبنانية" ميشال أسمر: "إنَّ الإفكار تقود العالم".

  • أستاذ جامعي لبناني وكاتب في موقع "اليوم الثالث"