لم يتوقف الرئيس ميشال عون عن خلق الجدل في الساحة السياسية اللبنانية لمدة تجاوزت الربع قرن، وفي سنوات ما بعد العودة من المنفى، صنع المحطات المفصلية التي انعكست، ليس على التيار الوطني الحر فحسب، وإنما كان لها التأُثير الطويل الأمد على المسيحيين في لبنان.

 

عودة إلى الزمن القريب

استطاع التيار الوطني الحر أن يتمدد في كافة الاوساط المسيحية منها والاسلامية، على رغم أن المتابع للحالة العونية في أثناء الوجود السوري في لبنان، يعتقد أن حالة ستكون نهايتها مع خروج آخر جندي سوري من لبنان. لكن الامور كانت معاكسة للتوقعات، حتى في ما يتعلق بالعلاقة مع سورية وباقي الاحزاب والتيارات اللبنانية الحليفة لها. فكانت ورقة التفاهم مع حزب الله، التي كسرت الاصطفاف بين 8 و 14 آذار في تلك الفترة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتنتشر العونية في البيئة المغايرة لحالتها الاساسية، وليستثمر هذا التفاهم في الصمود والانتصار في حرب تموز 2006، والتفاهمات السياسية والنيابية، وصولا إلى تحرير جرود عرسال من الارهاب سنة 2017. 

واتجه ميشال عون نحو العاصمة دمشق سليعبد الطرقات التي كانت مقطوعة مع الدولة السورية، ليسير مع المسيحيين بشكل عامة والموارنة خاصة نحو الشرق. عاد معهم إلى بدايات مار مارون في منطقة براد في شمال سوريا، وأنهى الصورة النمطية عن المارونية السياسية بأنها انعزالية وكيانية، وليتكمل توجهه شرقا في زيارة إلى الجمهورية الاسلامية في ايران، وحين تولى رئاسة الجمهورية كانت زيارته العربية الاولى إلى المملكة العربية السعودية.

 

المارونية السياسية أم المشرقية؟

أعاد ميشال عون ترتيب الأبجدية المارونية – المسيحية، فصاغ حروفاً متجددة بأن قوة لبنان في التواصل والتفاعل مع محيطه العربي، مدركاً التأثر والتأثير المتبادل بين دوله، فهو كان أمام خيارين، إما لبنان كما وصف بشعار سياسي بأنه جزيرة أو هو جزء أساسي من المحيط، أكبر من أن يبلع وأصغر من أن يقسم.

نسج ميشال عون بشخصيته العسكرية والسياسية البرغماتية في تطورها المستمر، علاقات سياسية ويمكن أن نصفها لحظات أساسية ومؤسسة للمستقبل، في زيارة سوريا وايران. فكانت مؤسسة لاستكمال تمدد لبنان مع محيطه، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. وأدت لحظة التحالف مع المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله، إلى التفاعل مع مكون لبناني أساسي في الحياة السياسية والاجتماعية وأصبح مع الوقت أكثر من تحالف ليصل إلى درجة الوفاء المتبادل بين الجنرال والسيد حسن نصر الله.

وفي لحظة الأزمة السياسية مع السعودية في إشكالية استقالة رئيس الحكومة اللبنانية وقف وصمد رئيس قصر الشعب في رفض لما حدث، دفاعا عن مقام رئاسة الحكومة وعن شخص سعد الحريري، ليخلق الرئيس عون لدى المكون السني اللبناني، احتراماً وصدقاً ووفاء، لا مثيل له من محافظة على المقام والشخص.

 

اللحظة الأكبر هي القدس. فوقف الرئيس في المؤتمر الاسلامي، كما برز وزير الخارجية جبران باسيل في الجامعة العربية، مدافعين عن القدس وفلسطين. وهذه الأبجدية عجز الكثير من الحكام العرب عن صيغة حروفها، لتدخل المارونية – المسيحية في عمق القضية المشرقية والعربية والاسلامية، ولربما في موقع متقدم في الخطاب السياسي.

 

هذا الوضع وهذه المواقف لم تنسِ التيار بعده الوطني المياني اللبناني. فحين خطب الوزير باسيل في الجامعة العربية كان واقفا مع محور المقاومة، في حين هذا المحور أعلن رفضه لموقفه من قرار الاعدام الصادر بحق حبيب الشرتوني في قضية اغتيال الرئيس بشير الجميل، فكأنَّ التيار الوطني الحر، يدرك جيداً كيف يخلق حالة التوازن ويسحب البساط من تحت اقدام الجميع.

فهل يستطيع الكتائبي أن يقول إن العونيين تخلوا عنه؟ التيار كان في ساحة ساسين، وإن خرج عروبي أو قومي فهل يستطيع أن يقول ان العونيين قد خذلوا محور المقاومة؟

 

الآن، تجاوزنا السنة الاولى من الرئاسة العونية، وستبقى الانظار متجهة إلى السنوات المقبلة.

في هذا الوقت، تحتاج هذه المارونية المشرقية إلى أن تنقل بشكل أكبر إلى المجتمع اللبناني، وتصبح جزءاً من الحالة والثقافة العامة، وليست مقتصرة على أشخاص أو تيار أو جهة.

إن هذا الفكر بحاجة لان يكون قاعدة لبنان النموذج في كيانه، والمشرقي في نبضه والعربي في امتداده، ليشكل مادة تاريخية تدرس في المدارس والجامعات وقبلها في البيوت، لكي نضمن استمراريتها إلى سنين عديدة، فلا تكون هذه المواقف مجرد ردة فعل سياسية وإنما أن تكون الموقف اللبناني المسيحي الإستراتيجي شكلاً ومضموناً.

  • صحافي سوري يراسل موقع "اليوم الثالث"