يبدو أن الدوائر التى صنعها سقوط حجر مقتل الأنبا أبيفانيوس فى مياه الكنيسة الساكنة ستظل تتوالى وتتسع. فمنذ رحيل قداسة البابا شنودة الثالث بشيبة صالحة وقدوم قداسة البابا تواضروس الثاني، وساحات التراشق الإجتماعي تشغل بصفحات مجهولة المصدر تنتمى لعصور منتهية الصلاحية، فيعقد الكتبة مقارنات فاسدة بين القامتين، وخلف الستار من يمسك بخيوط "الماريونيت" يحرِّكها ويموّلها ويضبط ايقاعها، وهو أمر يمكن تفهمه لمن يحلل طبيعة الإنتقال من مرحلة متمايزة إلى مرحلة متباينة.

 

لكنيسة بين الأمس واليوم

كانت المرحلة السابقة استثنائية ممتدة لنحو نصف قرن تقودها شخصية استثنائية متفردة وتملك خبرات سياسية ودينية وذاكرة حديدية. وبمشوار طويل من المعاناة والاشتباك مع الحياة، كان شعاره "استطيع أن أغفر لكنني لا استطيع أن أنسى"، وهو شعار يفسر الكثير من مصادماته وأولوياته، وكان البابا شنودة بارعاً فى أطروحاته وتواصله مع الشارع، والتأثير فيه وقيادته، ولعل هذا كان سر تصاعد المواجهة مع السادات والتي انتهت به خلف اسوار الدير مُتَحفظاً عليه، وتكتمل الدراما برحيل الرئيس مغتالاً.

أما المرحلة اللاحقة فشهدت متغيرات متلاحقة أنتجتها ثورتان وارتباكات وصراعات حادة خارج أسوار الكنيسة، بينما تتشكل داخلها ملامح اشتباكات وتحالفات ممن كانوا قاب قوسين أو أدنى من موقع القيادة، فإذا بهم يجدون أنفسهم فى مقاعد الوصيف.

وانطلق البابا تواضروس يعيد ترتيب البيت من الداخل حتى يساير الإنتقال من سياقات مجتمع ما بعد الثورة الصناعية برتابتها إلى معطيات تفرضها الثورة الرقمية والعالم الإفتراضي، الأمر الذى يستوجب الإنتقال من الإدارة بالفرد إلى الإدارة المؤسسية، لتزداد تخوفات من تشكلت واستقرت مصالحهم على امتداد سنوات، فعمدوا إلى تشكيل "لوبي" مقاوم بخبرات اكتسبوها وعلاقات تكونت فى الداخل والخارج.

 

الصدمة ومقاومة التجديد

أتت جريمة مقتل اسقف الدير بمثابة الصدمة للشارع القبطي بل والمصري، فقد انتقلت اخبارها فى لمح البصر بفعل آليات التواصل، وفيما تتأخر المعلومات الشافية تتقدم التكهنات والحكايات والإشاعات، وتنشط الخلايا الإلكترونية والصفحات المجهولة المصدر والتي تحمل اسماء كنسية لافتة، لتستغل الواقعة فى مخطط خلخلة الكنيسة، على أمل أن يقفزوا مجدداً إلى الموقع الذي فقدوه، واللافت تدني خطابهم وأدواته واستخدام الفاظ لم تكن تُستخدم إلا في "خناقات قاع المدينة" فى مصادمة مع الآداب التي كانت تحكم الجدل فى الساحة المسيحية والكنسية.

وتتخذ الكنيسة اجراءات احترازية سريعة في تحرك لحماية منظومة الرهبنة، وكانت اختباراً لما استقر فى ذهنية البابا ومجمَّع الأساقفة بالتحول من الفرد إلى المؤسسة، فتصدر القرارات من اللجنة المجمعية المختصة بالأديرة والرهبنة ويعتمدها البابا بصفته.

كانت الرسالة واضحة وثقيلة .

 

رسائل عبر العظات

وفى السياق نفسه، كانت واحدة من الفضائيات الكنسية تغطّي احتفالات "مولد" العذراء في أسيوط، فإذا بها تقطع النقل وتنتقل إلى واحدة من إيبارشيات المنيا لتنقل صلوات العشية وكلمة اسقفها، ربما بما يشير إلى توافقات ما.

أتت الكلمة محتشدة بالآيات المساندة لمحاورها، وكانت اقرب إلى البيان منها إلى العظة، وكانت ملتزمة بما حملته الأوراق التي قُرأت منه، وانتهت باقتباس لحن كنسي أثير "أيها الرب إله القوات، ارجع واطلع من السماء، انظر وتعهد هذه الكرمة، اصلحها وثبتها، هذه التي غرستها يمينك." وهو لحنٌ يوجزُ اللحظة الكنسية المعاشة.

اللافت أننا، عبر هذه العظة - البيان، نلتقي للمرة الثالثة خلال ايام قليلة، بعد الكتيبة الالكترونية وكلمة البابا، لمن يتعرض لقضية "حماية الإيمان" ويؤكد أنها مهمة ملقاة على عاتق الرسل وخلفائهم، وسيسألون عنها أمام الله، وهو في هذا يلتقي مع ما ذهب اليه قداسة البابا، وربما يفسره ويوثقه، فقد اسند البابا حماية الإيمان إلى رب المجد باعتباره "رئيس الايمان ومكمله"، بينما مد الأسقف الخيط إلى وكلاء سرائر الله، لتبقى الإشكالية فيمن يغتصبون حق الوكلاء بغير سند، بل ويتطاولون عليهم وهم من اعطيت لهم هذه الخدمة الرسولية عبر تسلسل رسولي لم ينقطع، ويشككون في قانونية الجالس على كرسي مار مرقس الرسول والتي جاءت بنفس الآلية التي جاءت بمن سبقه سواء قداسة البابا شنودة الثالث أو قداسة البابا كيرلس السادس، وما أظن أن التشكيك سيقف عند حدود البابا وهو محط هجومهم.

وقد حرص كاتب العظة - البيان على أن يغازل الجهات الرسمية. فقدم الدور الوطني للكنيسة والإكليروس على محور الإيمان والعقائد المسيحية، وانتقل إلى الكهنوت الرسولي ورئاسته من دون أن يشير الى موقع اسقف الاسكندرية المتقدم بين اخوته بحسب قوانين نيقية، وقدم الكليات والمعاهد الدينية على الرهبنة والتكريس، ولم يشر إلى الليتورجيا وهي العمود الفقري للكنيسة وسر بقائها. 

ولعل ذلك يذكرنا بالمحاضرة التى القاها الشهيد الأنبا ابيفانيوس رئيس دير انبا مقار في إكليريكية البابا شنودة بالنمسا - بفيينا، الأحد 25 فبراير 2018، والتي دعا فيها "التمييِّز بين الهرطقة والرأي والعقيدة"، كما تكشف اختلالات كثيرة ممن يقودون حملات التشكيك فى اللحظة المعاشة ويجيدون خلط الأوراق.

 مفكر وكاتب مصري قبطي