إسمحوا لي أن أذهب بخلاف أجواء التوتّر والتشنج والاتهامات والتأييس التي يحاول البعض إشاعتها، لأقول بوضوح وصفاء أنَّ ما يشهده اليوم لبنان من ديناميَّة من حيث الجدالات والصراعات لهو أمر طبيعي لا بل مطلوب في مجتمع ديناميكي وديمقراطي.

طبعًا لا يمكنني أن أغوص في الجدالات كافَّة المطروحة اليوم على ساحة النقاش. أريد فقط أن أفكر وأتساءل مع القراء الأعزاء حول المفهومين المتلازمين ألا وهما: "الحق بالحريَّة". وإن كنت اخترت هذا المفهوم فلأنه كان مجال أخذ وردّ في الأسبوعين الأخيرين على خلفيَّة كتابات بعض الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي واستدعاء بعضهم من قبل الأجهزة الامنيَّة.

 

السؤال الذي يُطرح بداية ما هي الحريَّة؟ أو لنسأل السؤال من زاوية اخرى: إذا كانت الحريَّة هي حقّ فماذا نعني بمفهوم الحق؟

سأسمح لنفسي بأن استعمل تعريف الحق الأكثر كلاسيكية: إنه ما يجعل منك حرًّا لتفعل هذا الشيء أو تحصل على ذاك الشيء؟ (A right means: you are free to…..). لا أزال أذكر من نقاشاتي مع طلابي في الجامعة اللبنانية-الأميركية حيث كنتُ حتى الصيف الفائت أدرّس مقرّر "الأخلاقيات"، أنه عند مناقشة هذا المفهوم مع الطلاب، كنا نصل في خلاصة نقاشاتنا إلى الثنائيَّة التالية: فمن ناحية إنَّ الحق هو أنْ نكون أحرارًا في أن نفعل هذا الشيء او ذاك الأمر (مثلًا: الحرية في أنْ نعبّر عن آرائنا، الحرية في أن نغيّر ديانتنا، الحرية في أن نختار من نحب، الحرية في أن نختار مكان إقامتنا، أو في اختيار مهنتنا أو اختصاصنا، الحرية في التنقل والتجمّع وإصدار المنشورات، إلخ...)؛ ومن ناحية ثانية فإنّ هذا الحقّ نفسه هو الذي يضع إطارًا لهذه الحرية. مثلًا: الحق في الزواج، يعني انه لدي الحرية في أن أتزوج، وان أختار الزوج الذي أحب وأرغب به، وأن أبني وإياه عائلة، وأن نسكن سويًا في منزل واحد ونتشارك أعباء وملذات الحياة الزوجية، إلخ...؛ لكن من ناحية ثانية فإن الحق بالزواج يفرض على كلا الزوجين الوفاء والحب والاحترام المتبادل؛ فإن قام أحد الزوجين بخرق الإطار الذي وضعه الحق في حرية الزواج، يتم إبطال هذا الزواج). ما هي الخلاصة من هذا، إنَّ الحق بالحرية يكون دومًا مؤطَّرًا بما يحترم أولًا: حق الآخر أيضًا بالحرية، وثانيًا الخير العام. من هنا كانت المعادلة الذهبية التالية: حريتك تقف عند حدود حرية الآخرين. بمعنى آخر الحرية لا تعني التعدّي على الغير أو التشهير به أو المس بكرامته، ولا انتهاك الصالح العام، ولا الانتظام العام.

 

أزمة الحرية في لبنان

في لبنان لدينا الكثير من الحريات، ونحمد الله على ذلك. لا بل إنني أقول إنَّ لبنان لا معنى له بتاتًا إن لم يكن مساحة للحريَّة التي تبدأ بأم الحريات أي حريَّة الضمير ولا تقف عند حرية التعبير وحرية التجمع والتظاهر والنشر وغيرها. أقول أكثر من ذلك، إنَّ الإنسان والحرية متلازمان في الجوهر. فلا قيمة لا كرامة للإنسان إنْ لم يكن حرًا. وإذا أردنا أنْ يكون لبنان أرضًا للإنسان، فإنه لزامًا علينا أن نناضل من أجل الحفاظ على لبنان أرضًا للإنسان الحرّ، وإلا فلنفكّ عقدنا الاجتماعي وليذهب كلًا منا في سبيله. لقد اجتمعنا في لبنان على الحرية، ولا معنى للبنان ولا لعقدنا الاجتماعي من دون مبدأ الحرية.

غير أن أزمتنا في لبنان أنَّ هناك الكثير من الناس التي لا تعرف حقًا كيفية استعمال هذه الحريَّة. فيتحوّل تعبيرهم عن هذه الحرية تفلّتًا وفوضى تصل إلى حدّ أذية الآخر. أليس السلاح المتفلّت في لبنان إشارة على ظاهرة سوء استعمال الحرية في لبنان. أو ليس إطلاق النار العشوائي هو إحدى ظواهر هذا التفلت؟

السؤال الأخطر، بماذا تختلف الرصاصة الطائشة عن الكلمة الطائشة؟ حتمًا لا جواب لديّ؟ لا بل لأكون صريحًا وصادقًا، لا أجرؤ وحيدًا على الإجابة على هذا السؤال. هل إن إطلاق الإشاعات الكاذبة يُعدّ حريَّة؟ هل شتم الناس، مهمن كانوا هو تعبير حرّ؟ هل التلفيق ورمي الكلام كيفما كان دون أي سند أو ملف واقعي حقيقي هو حرية؟

هذه الأسئلة بحاجة لإجابات ناتجة عن حوار عام وطني. نعم إني إدعو لفتح نقاش حول الحق بالحريَّة، وما هي حدود هذه الحرية قبل أن تتحوّل تفلّتًا وفوضى؟ أما السؤال الاهمّ الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا كلبنانيين: ما قيمة الحريَّة من دون مسؤولية؟

 

أما فيما خصّ مساحات التواصل الاجتماعي، والأشخاص الذين يقومون بالتعاطي معها على انها مساحة تعبير حرّ (ومنهم من يعتاش من مدوناته)، نقول لهم: أجل هذه مساحة حريَّة، ولكن إنتبهوا أن لا تحوّلوها مساحات للفوضى والتفلّت، ما يفقدكم مصداقيتكم على المدى الطويل، لا بل أكثر من ذلك سيفقدكم الرأي العام الذي هو هدف هذه المساحة. إنتبهوا: إذا كنتم قد تحركتم في حملة #ضد_القمع اليوم، فغدًا سوف تضطرون، إن لم تحسنوا استعمال هذه المساحة، أن تتحركوا في حملة #ضد_الفوضى التي ستأكلكم من داخلكم. إنتبهوا ليس المهم أن نشتم أو نمس بكرامة هذا او ذاك من الناس او من المسؤولين، المهمّ أن تكون مساحة التواصل الاجتماعي مساحة للتحسين والتطوير وأخذ القضايا العامة إلى خواتمها المفيدة. نريد ان نأكل العنب لا ان نقتل الناطور. فكونوا العين الشعبية المراقبة للحكم وكونوا هذا الضغط الإيجابي على الحكام لتحسين وتصويب سياساتهم، ولكن لا تقعوا في تعابير الحقد الأعمى والنقد السلبي الذي لا يفيد إلا بعملية نشر التأييس.

فليفتح النقاش العام حول الحريات بشكل عام، وخاصة تلك المعبّر عنها على مساحات التواصل الاجتماعي، وليتمّ تنظيم هذه المساحة وفق مبدأ الحرية والمسؤولية والخير العام. وليكن ما يحصل فرصة لنا لنذهب إلى الأمام في خدمة لبنان مساحة للحرية وللإنسان.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ الإسلامي وكاتب في "اليوم الثالث"