كان المسيحيون السوريون دوماً مع خيار سوريا الواحدة، وأقصد مسيحيي سوريا عموماً حتى الآشوريين والسريان في الجزيرة، باستثناء بعض الفئات من الآشوريين التي تمتلك طموحات بإقامة كيانات قوية مستقلة شبيهة بالكيانات الكردية.

وأرى أنَّ أغلب المسيحيين ضد فكرة الفيدرالية، فهم في الغالب متضررون منها لأنهم ينتشرون في كل الجغرافيا السورية. والمسيحيون توجهاتهم علمانية ديموقراطية داعية لدولة مدنية، وربما يكونون أقرب إلى تأييد دولة لا مركزية تعطي صلاحيات أكبر للمحافظات والأقاليم.

 

 

طبيعة الإنتشار المسيحي في سوريا

فالمسيحيون السوريون ينتشرون في المدن الكبرى كدمشق ( القصاع، باب توما، العباسيين طبّالة، دمر، حرستا، برزة ، وفي الريف الدمشقي في جرمانا وكشكول ودويلع). وفي جبال القلمون هناك قرى سريانية مثل معلولا وصيدنايا ويبرود، وفي حمص هناك القريتين وصدد وفيروزة وزيدل ودمينة الشرقية والغربية، وفي وادي النصارى ومرمريتا والناصرة ومشتى عازار ومشتى حلو وزويتينة والمشتاية وصافيتا و محردة والرستن وحفر والقصير وفي محافظة طرطوس هناك العديد من القرى التي أغلب سكانها من المسيحيين، وفي محافظة حماة ومحافظة اللاذقية وحلب والرقة ودير الزور ومحافظة الحسكة، كذلك في محافظة درعا قرى كاملة سكانها من المسيحيين وكذلك في السويداء. وتعد القرى المسيحية بدءاً من الجزيرة السورية حتى زيزون بدرعا ما يتجاوز عددها ألفين وخمسمئة قرية، عدا القرى التي يتجاورون فيها مع المسلمين، ومناطقهم التراثية التاريخية.

 

التفكير الآشوري

لا أظن أن هناك خرائط سياسية آشورية في تفكير القوميين الآشوريين أو على أجندة الأحزاب الآشورية لكيان قومي آشوري في بلاد آشور، لكن لا ننفي وجود تفكير بين الآشوريين بقي أسير الماضي الآشوري العريق، ولم يتحرر بعد من عقدة سقوط الدولة الآشورية وضياع الوطن التاريخي للآشوريين في بلاد ما بين النهرين منذ أكثر من 25 قرناً. إذ يوجد داخل الأحزاب الآشورية، خاصة الموجودة منها في المهجر، ممن يحن إلى ذاك الماضي الآشوري ويعيش فيه، ويرفض التسليم بالحقائق والمعطيات الجديدة على الأرض السورية وفي بلاد ما بين النهرين، حيث بات الآشوريون اليوم أقلية قومية ودينية في وسط قوميات وشعوب إسلامية.

المنظمة الآثورية الديمقراطية مثلاً وهي التنظيم الآشوري الأساسي في سوريا ترى أن الشعب الآشوري بكل طوائفه هو جزء أساسي وأصيل من النسيج الوطني السوري، وهي ترى أن مصير هذا الشعب هو من مصير الشعب السوري بكل فئاته.

 

 

صراع الهويات

إن الهوية الوطنية للدولة السورية لم تتحول بعد إلى مشروع سياسي وثقافي تعمل له جميع القوى الوطنية والأحزاب، ويمكن القول إن الهوية الوطنية السورية اليوم تتنازعها مجموعة من الهويات:

- الهوية الإسلامية: تسعى إليها تيارات الأصولية الإسلامية، فلا يطيب لها الحديث كثيراً حتى عن الهوية العربية وإنما عن الهوية الإسلامية حيث تعمل الأصولية من أجل دولة إسلامية، وتقوم نظرتها على تذويب جميع الهويات الأخرى في الهوية والثقافة الإسلامية.

وقد ورد في الميثاق الوطني الذي صدر عن المؤتمر الوطني الأول للحوار الذي دعت إليه جماعة الأخوان المسلمين السوريين في لندن آب 2002 ما يلي: انتماء قطرنا إلى إسلامه، هوية ومرجعية.

 

- الهوية العربية: وهي السائدة اليوم ولم تنظر إلى الهوية السورية إلا كجزء من هوية الدولة العربية الواحدة.

 

- الهوية السورية: وهي التي تسعى إليها الأقليات القومية غير العربية، بحيث تأتي الهوية السورية معبرة عن جميع الهويات والثقافات التي يتكون منها المجتمع السوري.

 

الإندماج السطحي بعد الإستقلال

إن الاندماج الوطني والمجتمعي الذي ظهر وتحقق خلال المرحلة التي تلت الاستقلال، لم يكن أكثر من اندماج سطحي هش غير متجذر في أعماق المجتمع السوري، كما هو حال غالبية المجتمعات العربية والإسلامية. ويعود هذا التفكك المجتمعي والانقسامات العمودية في المجتمع، بشكل أساسي إلى التركيز على هوية وثقافة واحدة هي الهوية والثقافة العربية والإسلامية، واستبعاد أو تهميش معظم الثقافات والهويات الإثنية والدينية الأخرى التي يتكون منها المجتمع السوري. فعندما تتبنى الدولة هوية وديانة وثقافة أي جماعة قومية أو إثنية عرقية دون غيرها حتى لو كانت هي الأغلبية، فذلك هو عملياً استبعاد هوية الآخرين من الأقليات وانتقاصاً من مكانتها القانونية والوطنية، مما يعيق من دون شك عملية اندماجها في المجتمع الوطني وسيدفع بالأقليات إلى الانكماش على الذات. وحتى ولو لم يكن هناك أي تمييز قانوني رسمي بين أبناء المجتمع الواحد، فإن الأقليات في حال استبعادها وتهميشها ستواجه من دون شك عقبة في طريقها إلى الاندماج في الدولة والمجتمع، خاصة إذا مارست عليها الأغلبية سياسة الإستعلاء القومي.

 

تثبيت الهوية الوطنية السورية

إن التأسيس لهوية وطنية سورية تعبر عن جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والحضارية، تتطلب أولاً الإقرار بالتعددية الثقافية واللغوية وإلغاء كل التسميات القومية من القاموس السياسي والاكتفاء بالتسمية السورية، وحل جميع الأحزاب القومية لجميع القوميات، والبدء بالتمهيد لتأسيس أحزاب على أسس ومفاهيم وطنية سورية.

وهنا يكون من الضرورة والأهمية أن تركز الدولة جهدها على تقوية وتعميق الرابطة الوطنية من خلال نشر الثقافة الوطنية الديمقراطية وإقامة مؤسسات المجتمع المدني، وإحياء جميع الثقافات الموجودة في المجتمع.

 

لذلك علينا في سوريا إعادة النظر بمسألة الهوية الثقافية والحضارية للدولة السورية، والعمل على تثبيت وإبراز جميع ألوان الطيف الحضاري والثقافي، من عرب وكلدوآشوريين وأكراد وأرمن وتركمان وشركس، باعتبارها ثقافات وديانات وطنية لسوريا التاريخية. فيمكن لنا جميعاً أن نكون سوريين، لا بل يجب أن نكون سوريين، لكن لا يمكن للآشوري أو الكردي أو الأرمني أن يكون عربياً أو بالعكس.

وهنا يجب الانتباه وإدراك أهمية إرساء هوية وطنية منفتحة على جميع الثقافات السورية، تأخذ منها وتعبِّر عنها جميعاً، هوية بعيدة عن هيمنة أي ثقافة أو هوية قومية.

باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة