مذ وُجدَ لبنان السياسي لاعبًاً كامل الموصفات على الساحة الدوليَّة، حتّى بدأت صيغته السياسية بالتبلور شيئاً فشيئاً. كانت الخطوة الأولى إعلان الكيان في الأول من أيلول 1920، تحوّل من خلالها لبنان من مساحة تتناقش في مسائلها القوى العالميّة الكبرى إلى دولة-لاعب كاملة الأوصاف، مطلوب منها التهيُّؤ لتصبح لاعبًا سياسيًّا على المسرح الدولي. مُذذاك بدأ لبنان بتكوين ذاته (ولو حتّى تحت سلطة الانتداب).

 

البدايات الميثاقية

كانت الخطوة الثانية دستور العام 1926 بما يعنيه من اكتمال شخصية لبنان القانونية. كان الدستور الركن الأول ممَّا سيُعرف لاحقًا بالصيغة اللبنانيَّة. الخطوة المحوريَّة الثالثة في تكوّن لبنان كان ميثاق العام 1943. فإن كان لبنان استطاع أن يتكوّن إبَّان عهد الانتداب، فإنَّه ظلّ عاجزًا عن أنْ يكون ناضجًا ومُستقلًا طالما التوافق الداخلي كان مفقودًا ما بين كتلتيه السكانيتين الرئيسيتين: المسيحيَّة، والإسلاميَّة. كان الميثاق الإعلان الواضح الأوَّل عن رغبة المسيحيّين والمسلمين في لبنان في العيش معًا في بلد مُستقل سيّد عزيز،  وعليه كانت الصيغة اللبنانيَّة: موالفة ما بين دستور مكتوب وميثاق غير مكتوب. تكون وظيفة الدستور إدارة البلاد قانونيًّا بما يتلائم والنظام الدولي العالمي الجديد والحديث، وتكون وظيفة الميثاق، من ناحية، التأكيد الدائم على رغبة اللبنانيين في العيش معًا، ومن ناحية أخرى، التحكيم في الأمور التي لم يكن للدستور القدرة على حلها وتقديم الأجوبة لها. كان هذا التحكيم ضروريًا لما من بُنية الاجتماع اللبناني من خصوصيَّة مجتمعيَّة وطائفيَّة وثقافيَّة.

        استمرّ لبنان وازدهر بسبب هذه الصيغة الموالفة ما بين دستور وميثاق. وكلّما كانت هذه الصيغة، خاصّة بجزأها الميثاقي تهتزّ حتّى كان الوضع اللبناني يهتزّ برمّته. ولم يكن اللبنانيون ينجحون بالعودة لشيء من الاستقرار والازدهار إلّا بالعودة لهذه الثقافة الميثاقيّة.

  

"الميثاقيات" المطلوبة

اليوم، يجتاز لبنان، والمنطقة برمتها زلزالٌ مدمّرٌ. دول بالكامل تنهار وتتمزّق (العراق، سوريا، ليبيا) أو تنحلّ (مصر، البحرين، ...). لا شكّ ان لبنان سيتأثر بما يحصل في هذه المنطقة من تمزيق. لا بل إن لبنان دخل فعليًّا طور الانحلال والتخلّف وربما التقسيم. أمَّا السبيل الوحيد للدفاع عن هذا الوطن في اللحظة الراهنة لن يكون إلا في وعي كلّ ممثلي الطوائف اللبنانية أنّ مستقبل لبنان ومستقبلها هي مرهون بمدى قبولها بالآخر والتخلي عن نزعة الاستئثار والتسلّط التي ورثتها من أيام حقبة الوصاية السوريّة. لا أمل حاليًّا لهذا البلد الصغير إلا بوعي وإرادة الطوائف اللبنانية كافّة لأهميّة التلاقي من جديد مع الآخر على أساس الثقافة الميثاقيّة.

 

ميثاقيّة تكون في البداية بسيكولوجيّة بحيث تُخرج كل عائلة روحيّة في لبنان من حالة الإحباط والخوف والقلق من العائلة الأخرى، وتدخل في حالة طمأنينة.

ميثاقية سياسية بحيث تُمثّل كلّ طائفة بالممثلين الفعليين والمنتخبين من أبنائها، وليس بمن تختاره لها الطائفة الأخرى، وبحيث تمثّل أيضًا بالأشخاص الأكفاء الذين يسعون ليس فقط إلى خير هذه الطائفة او تلك، أو خيرهم الأناني الخاص، بل الذين يسعون للخير العام ولمصلحة الكل ضمن الولاء للوطن اللبناني.

ميثاقيَّة مجتمعيَّة حيث ينفتح أبناء الطوائف كافّة لبعضهم البعض من جديد، وبدل أن نستكمل تهجير اللبنانيين الأمني، الذي حصل إبان الحروب اللبنانية، بتهجير اقتصادي وجغرافي وديمغرافي، يجب ان نقوم بالمشاريع والسياسات الضرورية لخلق الظروف المناسبة لتلاقي اللبنانيين مجتمعيًا من جديد بحيث يعملون سويًا ويسكنون في المناطق المُختلطة، ويتزوجون من بعضهم البعض ضمن قانون مدني موحد للأحوال الشخصية.

ميثاقية ثقافيّة حضاريّة، حيث يقوم المسلم اللبناني بقبول المسيحي اللبناني كما هو، ويقبل بحريته الكاملة دون قيد او شرط، ويقوم المسيحي اللبناني بالفعل ذاته. ميثاقية يقوم فيها المسلم بالدفاع عن شريكه المسيحي ويكون سفيره في الدول العربية وتلك ذي الغالبية المسلمة، ويقوم فيها المسيحي بالدفاع عن شريكه المسلم في الدول الغربية وتلك ذي الغالبية المسيحية. ميثاقية تتحوّل دفاعًا مشتركًا من المسلمين والمسيحيين عن قيم الإسلام والمسيحية، وعن قدرة هذين الدينين على العيش معًا بشكل سلمي وحضاري وحداثي على أرض واحدة وفي وطن واحد وضمن مشروع إنساني وحضاري واحد. ميثاقية تجعل لبنان من جديد نموذجًا يُعاكس مقولات سخيفة تغزو العالم من مثل الإسلاموفوبيا والتكفير.

 

الاهمّ، أن تكون أيضًا ميثاقية مفتوحة على المستقبل وليس تحجّرًا في الماضي والحاضر. ميثاقية قادرة بداية على إعادة الحياة للبنان كمشروع لقاء وارتقاء حضاريين، ومن ثم لإرساء الاستقرار والازدهار، بحيث ننطلق نحو مشروع لبنان المستقبل، مشروع يأخذ اللبنانيّين إلى المواطنة الحقّة من خلال علمنة الدولة والمجتمع والثقافة. علمنة منفتحة، هنية، حاضنة للطوائف وللحريات وللتنوع والتعددية.

 أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية متخصص في التاريخ