هناك مسلَّمة لا جدل فيها وهي شعور المرء أو الجماعة أي جماعة بقلق وجودي أمام التحديات أو الأزمات التاريخية التي تتهدّد مصيره أو مصيرها. وهذه المسلمة لا تكتمل من دون التذكير بأن القلق كما يرى هيدغر هو بنية أصيلة في الإنسان. والقلق الوجودي مقرون بالرجاء يصير قلقًا على الوجود أي دعوة لإعتاق هذا الوجود.

 

الرؤية أساس الإلتزام

هذه المسلَّمة تنادي مسيحيي الشرق في هذه المرحلة الموسومة بقلق وجوديٍ، بكونهم مدعوين إلى إعطاء مبررات عن الرجاء الذي فيهم.

المسيحيون لم ينفكوا يحملون مشعل الرجاء ويقدّمون الأجوبة لمن سألهم عن مبررات الرجاء الذي فيهم في هذه المنطقة. ومن الملفت أن أجوبتهم لم تأت يومًا محصورة بمصلحتهم الخاصة، بل كانت على الدوام أجوبة-رؤى ساعدت في بناء مستقبل المنطقة. ودرجوا على هذا المنوال منذ أن التقوا المكونات الأخرى في هذه المنطقة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وكوّنوا معهم نواة حضارة مشتركة كانوا فخورين بأنهم في أساسها.

واليوم هم مدعوون أيضًا إلى التزام جديد بمصير هذه المنطقة أو بالأحرى إلى التزام مصيرها، شرط أن يبلوروا رؤية لالتزامهم، إذ من دون رؤية لا هداية في قلب الظلمات. والرؤية تحتم أخذ البعدين المذكورين أعلاه بعضهما مع بعض: القلق الوجودي والقلق على الوجود.

 

القلق المسيحي وحدوده

أقول ذلك خوفًا من توجهين اثنين خطيرين يقف المسيحيون أمامهما اليوم:

التوجه الأول يقوم على مقاربة الواقع المسيحي بتركيز حاد على القلق الوجودي. وهو توجه يشوبه خطر الإرتهان لضروب ثلاثة:

  • الضرب الأول: الارتهان لنظرة حتمية للتاريخ مفادها أن مصير المسيحيين محتوم بالقياس على ما تشهده المنطقة. هذه المقاربة محبطة رغم واقعيتها.
  • الضرب الثاني: الارتهان لمنطق الاحتمالات على أساس الديمغرافيا والهجرة أو الاستفادة من أوضاعٍ معينة لتحسين شروط البقاء.
  • الضرب الثالث: الارتهان لمنطق الانتظار، يجعل المتعلقين به يلجأون إلى "ممارسة التقية". إنها مقاربة ملوثة بارتهان للواقعية السياسية أو العملانية.

التوجه الثاني يحاول التبصر بالقلق على الوجود، لكنه ينتهي إلى نوع من "سوريالية" منفصلة عن الواقع، يتغنى أصحابها بأمجاد ماضٍ أو يعيشون على مكتسبات لا تقوى على الوقوف بوجه العاصفة.

والتحذير من خطر هذين التوجهين لا يعني رفضًا لهما، إذ فيهما بعض من تلمّس للواقع. لكن ما يشوبهما افتقادهما تحديد الدعوة المسيحية انطلاقًا من كل خيار فيهما لتجاوز الأزمة. هذا ما أشرنا إليه في دعوة القديس بطرس المسيحيين إلى تقديم أجوبة عن الرجاء الذي فيهم. ذلك أن المسيحية لا تتفرج على التاريخ بل تصنعه وتشارك في صنعه.

 

وإذا راجعنا الخبرة المسيحية بشكل عام، أمكننا القول إن المسيحيين وعوا منذ الجماعة الأولى أنهم ضرورة وبالتحديد ضرورة ثقافية وشهادة لقيم، لا قيمة عددية. وبلوروا ذلك لا عبر دورهم الوسيط في الحضارة وحسب، بل بحملهم لواء الإنسان، خلاص الإنسان من كل تبعية أو إقصاء أو انتقاص من كرامته. ولم يتوانوا عن حمل هذا اللواء إلى حد أنهم عملوا على إرساء هذه العقيدة في دول هدفها إعلاء شأن الإنسان وصون حقوقه. وهذا يعني مما يعنيه أنهم لم يعيشوا تحت شبح الشعور الأقلوي، ولو خالجهم هذا الشعور في بعض الأوقات، لأنهم نظروا إلى الفرد وآمنوا بقدراته ورأوا أن المستقبل لا يكون للكثرة بل للنظم التي تحافظ على الأكثريات وعلى الأقليات على السواء.

 

مسؤولية المسيحيين التاريخية

إن الوعي التاريخي والتجربة التاريخية يحمّلان المسيحيين اليوم مسؤولية تاريخية تمنعهم من الإستسلام للقدر التاريخي أو الاقتناع بوجود قدر تاريخي أو السقوط تحت وقع العدد، ويحثوهما على تجديد الثقة بالذات بأنهم صنّاع تاريخٍ في الظروف الحالكة أكثر من ظروف الرخاء والاستقرار.

ولا يتم ذلك من دون رؤية، لا يكفي لها أن تبنى على نظرة دهرية بحتة.

 

 

دور الفاتيكان والكنائس الشرقية

وكلامي في هذا المقام يأتي في ضوء مراجعة دقيقة لما ورد في الإرشاد الرسولي الكنيسة في الشرق الأوسط شركة وشهادة الذي سلّمه البابا بنديكتوس السادس عشر الذي قال في أول مقابلة في حبريته، جوابًا على أحد الصحافيين عن أن المسيحية أتت من الغرب، بأن المسيحية ولدت في الشرق ومنه أتت إلى الغرب، والغرب مدينون للشرق بمسيحيته. وفي هذا الإرشاد نجد دعوة صريحة تميزت برؤية واضحة عن دور المسيحيين في هذه المنطقة. وجاءت هذه الرؤية متمايزة بعض الشيء عن الإرشاد الرسولي رجاء جديد للبنان الذي دعا المسيحيين إلى الانفتاح على العالم العربي عن طريق "التضامن" معه. وفي الإرشاد المذكور تناول البابا بنديكتوس السادس عشر دور المسيحيين في المنطقة في ضوء العلاقة مع مجتمعات تلك المنطقة، منطلقًا من قاعدة "الشركة" لا من قاعدة التضامن. يعني ذلك أن الإرشاد يدعو المسيحيين إلى "لاهوت الضيافة"، وهي كلمة محورية ركّز عليها البابا بنديكتس السادس عشر في زيارته إلى لبنان سنة 2013.

وكلام البابا يشير إلى أن هذا العالم ليس خارجًا عن المسيحية والمسيحيين حتى يلاقوه أو ينفتحوا عليه، إنه ماثل في قلب بنيتهم اللاهوتية الكنسية. ففي الفقرة الثالثة من الإرشاد يقول البابا صراحة: "إذا كانت (الشركة) ملزمة بالنسبة للمسيحيين، بدافع إيمانهم الرسولي المشترك، فهي أيضًا منفتحة على أشقائنا اليهود والمسلمين وعلى جميع الأشخاص الذين ينتمون هم أيضًا، وبطرق مختلفة إلى شعب الله". ويضيف: "بذلك تُحقِق الشهادة صدقيتها".

 

إن هذه الدعوة وإن كانت موجهة إلى الكاثوليك، فهي تتلاقى مع دور تاريخي لعبته الكنائس الشرقية الأخرى التي أرادت أن تكون كلمة في قلب مجتمعاتها. والمسيحيون سلكوا هذا الخيار محافظين على تعدّدهم. أما ما ينقصهم، فهو إيضاح هذه الرؤية والاتفاق على تحديدها وتحديد نظرة وظائفية لكل كنيسة، تساعد على تجسيد هذه الرؤية كل واحدة بحسب تقليدها.

 

إذن إن حضور المسيحيين ومستقبل دورهم في هذه المنطقة يتجاوزان حدود الواقع إلى مستوى الإلتزام وإلى تبني الواقع لا الهرب منه، لأن لهم دورًا ووساطة عليهم القيام بهما في هذه المنطقة. وهذا الدور والوساطة حدّد "الإرشاد" غايتهما وهي المصالحة. هذه هي الرؤية الأساسية في "الإرشاد"، ولا يخفى أن "الإرشاد" ينتظر من المسيحيين دورًا رياديًا على صعيد الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط ألا وهو الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو يدعوهم إلى دور ووساطة بغية مصالحة تاريخية بين الإثنين، وساطة منبتها لاهوتي بالدرجة الأولى، حتى تأتي المصالحة مبنية وتنسحب على الواقع السياسي. هذا يعني أن حضور المسيحيين ومستقبلهم مرهون برؤية مقرونة برجاءٍ كبير يكونون حاملي مشعله.

 

والرؤية المنشودة، لن تحدّد بشكل وافٍ ولن تكون فاعلة ما لم تؤسس على ركائز أربعة: القلق الوجودي، والقلق على الوجود، ورجاءٍ وطيد، ونظرة إيجابية إلى التاريخ معقودة على أن للتاريخ غاية وهو ليس مسرحًا للعبث. والغاية التي تشده من المستحيل أن تكون بعكس ما يطمح إليه الإنسان من خير وحب وجمال.

علينا إذًا أن نجمع القلق الوجودي إلى القلق على الوجود حتى يكون للمسيحيين مستقبل ويكون لهم رجاء وبالتالي تاريخ يرتضون به.

 خوري وباحث متخصص في الفلسفة واللاهوت