ليس ثمة منطقة من العالم أكثر تعددية وتنوعاً، إثنياً أو مذهبياً وطائفياً، من المشرق (العربي)، الممتد من بلاد الشام إلى الهضبة الإيرانية. ما أسس لهذه التعددية والتنوع كان طبيعة الاجتماع السياسي الذي ساد هذه المنطقة طوال قرون، قبل أن تجتاحها رياح الهويات الحديثة.

 

في أغلب القارة الأوروبية، لم يكن التعدد الإثني والديني يقل عن المشرق. ولكن الحروب الدينية والقومية الأوروبية كانت من العنف والقسوة، بحيث قضت على كثير من ملامح التنوع والتعدد في الدول القومية!! وما إن اندلعت الحروب الدينية، بعد الانشقاق البروتستانتي، في القرنين السادس والسابع عشر، حتى بدأ تطهير طال المسيحيين أنفسهم. ولأن أوروبا كانت في طريقها لتبلور نظام الدولة الحديثة، وبروز الهويات القومية، فسرعان ما سارت نحو سلسلة من الحروب الهائلة، التي ولدتها طموحات ومخاوف الهويات القومية، وصاحبها تطهير ديني أيضاً. وبالرغم من هول الحرب العالمية الثانية وخسائرها الفادحة، عادت القارة إلى عاداتها الموروثة في البلقان، بمجرد سقوط جدران الحرب الباردة.

 

واقع التعدد المشرقي

تعيش في المشرق العربي جماعات دينية، تنتمي إلى كل الكنائس المسيحية تقريباً، ما يعرف منها بالكنائس الشرقية أو الغربية؛ كما جماعات يهودية قديمة. يعيش مسلمون سنة وشيعة، موزعين على إثنيات مختلفة؛ بل وعبدة الشيطان، وطوايف اخرى صغيرة.

كما يعيش عرب وأكراد وأتراك وأشوريون وفرس، وجماعات إثنية أصغر، لم تزل تحافظ على لغاتها وتقاليدها.. ولكن دخول المشرق إلى العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر، وتعرض جماعاته لرياح الهويات، وضع نهاية للنظام القديم وأدخل شعوب الشرق حقبة غير مسبوقة من الصراع والتدافع الداخلي. من جهة، لم يكن الوعي المتزايد بالهوية مسألة خيار، بل نتيجة طبيعة، وحتمية، لانهيار المؤسسات التقليدية، لتحسن وسائل الاتصال، للمدرسة والجامعة الحديثتين، ولبروز فكرة التمثيل السياسي وصعود الدولة المركزية، المهيمنة على المجال العام. وما إن أصبح ممكناً للجماعات الدينية والطائفية والإثنية تصور نفسها كجماعة، أن تنتقل أخبارها ومجريات حياتها بسرعة ملموسة، وأن يزداد وعيها بتاريخ وموروث خاصين بها، حتى ولدت الهوية الحصرية، الدينية أو القومية.

 

تدخلات الخارج

من جهة أخرى ساهمت عوامل داخلية وخارجية في تفاقم النزعات الحصرية والعدوانية للهويات، وفي تحويلها إلى مسوغات انقسام وحرب وخصومة وتوتر. استغلت القوى، بريطانيا وفرنسا وأميركا، صعود الهويات وغذتها، وحاولت أن تجعل منها أدوات لخدمة أهدافها وسياساتها ونفوذها في المنطقة. ووجدت الدولة العبرية في صراع الهويات في جوارها المشرقي مناخاً مناسباً لحماية الأمن الإسرائيلي، وفرصة لجذب حلفاء إقليميين. ولكن الدور الذي لعبته النخب لم يكن أقل وطأة من دور القوى الخارجية. وفرت الكيانات القومية الصغيرة التي ولدت من ركام الحرب العالمية الأولى فرصة غير مسبوقة لأن يقبض قطاع من هذه النخب على مقاليد الحكم والسلطة، وحرمت قطاعات أخرى.

وباسم شرعية الدولة الجديدة، ومصالحها وأمنها ومقدراتها، تم خوض حروب ضد من همشتهم الهويات الحاكمة أو حتى ألغت وجودهم كلية. وفي المقابل، لم يتورع قادة الحركات القومية والدينية المعارضة عن اللجوء إلى السلاح وإشعال نار الحروب والحركات الانفصالية.

 على نحو أو آخر، عاش المجال المشرقي سلسلة لا تنتهي من الحروب الأهلية، استمرت طوال القرن العشرين. لا يبدو أن ثمة نهاية وشيكة لصراع الهويات المشرقية. خاضت الدولة العراقية حروباً مع الأشوريين والأكراد؛ ومع نهاية القرن العشرين، انفرط عقد العرب العراقيين إلى سنة وشيعة وعرب وأكراد.

 

أزمة الدولة المركزية وأنظمة الحكم

بعد مرور ما يقارب القرن على ولادة الدولة المركزية الحديثة في المشرق، لا يبدو أن هوية الدولة القومية، التي طورت خلال القرن العشرين، استطاعت توحيد الشعب. لا اعترفت الدولة بالتنوع والتعددية، واستطاعت بناء نظام يحمي حقوق الجماعات المختلفة، ولا هي نجحت في تحويل الهوية الرسمية للدولة إلى هوية جامعة.

ليس ثمة مناص من الاعتراف بفشل الدولة المركزية الحديثة في المشرق العربي. بعض ممن يرون هذا الفشل، يعزونه إلى صلابة هويات ما قبل التحديث واستعصائها على الانصياع لشروط الدولة المركزية ونظام المواطنة؛ هذا، بالرغم من أن الهويات هي منتج حديث تماماً.

 

البعض الآخر، يعزو هذا الفشل إلى رداءة الطبقات التي تداولت الحكم والسلطة السياسية في المشرق، وإلى التشويه الذي أصاب دول المشرق بالقياس إلى النموذج الغربي الأم. ولكن قلة تحاول النظر في الافتراق المفاجئ والحاد، بين الموروث التاريخي للاجتماع السياسي وما فرض على شعوب المشرق من نظام إقليمي ونظام حكم سياسي. مهما كان مستوى الجدل، فالمؤكد أنَّ شعوب المشرق لم يكن لها من دور كبير في اختيار حدود دولها، أو نظام الحكم في هذه الدولة، أو تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة الجديدة وشعبها بجماعاته المختلفة. خلال سنوات قليلة فقط، وجدت جماعات إثنية ودينية نفسهما مقسمة بين دولتين أو أكثر، لم تستطع دائماً أن تحافظ على علاقات طبيعية بينها؛ ووجدت نفسها مجبرة على إعطاء الولاء للدولة الجديدة، والخضوع لقوانينها؛ ووجدت نفسها وقد فقدت معظم، أو حتى كل، عناصر الاستقلال الذاتي الذي تمتعت به طوال قرون.

باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة