منذ فجر المسيحية وُجد المسيحيون في لبنان. هؤلاء وعلى مدى مسافات من الزمن لعبوا دوراً فاعلاً وأساسياً في النهضتين الثقافية والاقتصادية وفي الحياة العامة بل شكّلوا عصب التقدّم وكانوا النكهة المتميزة في الشأن العام.

 

تداعيات الحرب والتهميش

ولكن المسيحيين تعرضوا لأكثر من ضربة على الرأس وخصوصاً منذ السبعينات وحتى اليوم. صليب الحرب اللبنانية كان ثقيلاً عليهم لا بل ربما كان صليبهم هو الأثقل بين كل الطوائف الأخرى. وفي حين كان المسيحيون يشكلون 65% من السكان قبل الحرب، وصلت النسبة في نهايتها إلى حوالى 40%. وأتى اتفاق الطائف ليقلّص هذا العدد أكثر فقضم صلاحيات رئيس الجمهورية وهو المسيحي الوحيد على رأس السلطة في العالم العربي كله، مانحاً الصلاحيات "الثقيلة" إلى رئاسة الحكومة المخصصة للطائفة السنية، وشهد على نفي العماد ميشال عون وعلى سجن سمير جعجع وهما أبرز القادة المسيحيين في لبنان وعلى ترهيب المناصرين لهم، وبدأ اليأس ينخر عظام أبناء تلك الطائفة. فهم مشرذمون اساساً في بلد يعاني الوجود الغريب على ارضه والاحتلال. وتم إقصاؤهم عن المراكز "صف اول" في الإدارات والمؤسسات العامة وفي الحكم، واستبدل المسيحيون "الصقور" بمسيحيين تابعين وخصوصاً من خلال قوانين إنتخابية جائرة جعلت النواب المسيحيين يولدون في كنف طوائف أخرى لا يمثلون أبناء طائفتهم في بلد كلّ شيء مقسّم فيه على أساس طائفي، ولم يعد التساوي بين المسلمين والمسيحيين بأربعة وستين نائباً إلا تساوٍ شكليّاً، ولم تعد المناصفة المكرسة بالدستور إلا مناصفة ظاهرية وأكثر من ذلك حصلت مناقلات كثيرة في القطاع العام فسُحبت وظائف من تحت أرجل المسيحيين وأعطيت لمسلمين.

هاجر كثيرون وفقد كثيرون الرغبة في الانخراط في مؤسسات الدولة مع أن المسيحيين كانوا هم صلب النضال من أجل حرية وسيادة واستقلال لبنان ومن أجل محاربة الفساد فيه وتقوية مؤسساته. وباع كثيرون أراضيهم والأرض أساس الانتماء وصارت نسبة المسيحيين في وظائف الدولة لا تتجاوز الثلاثين في المئة وكذلك وجودهم في الوطن بعدما كانوا إبان إعلان دولة لبنان حوالى 80%. وساهمت إغراءات الدول الغربية و"سفنها" في تشكيل مغناطيس يجذب المسيحيين اللبنانيين إليها حتى بات كثيرون حتى من المفكرين الغربيين يتحدثون عن مخططات لإفراغ لبنان من مسيحييه. هؤلاء المسيحيون الذين هم الأكثر التزاماً بالقوانين وأكثر من يقوم بواجباته ويدفع الضرائب للدولة بشهادة الأرقام الرسمية باتوا أو على الأقل شعروا بأنهم مواطنون درجة ثانية.

واقعية الهواجس المسيحية

هواجس المسيحيين كبيرة ومبنية على حقائق من طراز القوانين الانتخابية وتهميشهم في الإدارات والمؤسسات العام وتيئيسهم، وعدم الالتزام بنصوص الطائف المبنية على روحية الميثاق الذي لا يستقيم إلا بالتساوي الحقيقي والمناصفة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين، بالإضافة إلى محاولات التغيير الديمغرافي والأرقام تشير إلى تهاوي عدد المسيحيين من 84% في العام 1926 إلى حوالي 35% اليوم. وزاد الطين بلّة أزمة النازحين السوريين في لبنان الذين ينتمون بأكثريتهم إلى لون طائفي واحد والمحاولات الأممية لإبقائهم في البلدان التي استقبلتهم وغليان المتطرفين من نصرة وداعش وخصوصاً في المحيط القريب.

 

الإتفاق التاريخي بين عون وجعجع

ولكن وعلى رغم كل هذه الصورة القاتمة إلا أن المسيحيين بل لبنان بصيغته وحقيقة وجوده أمام فرصة نادرة اليوم. فقد حصل اتفاق تاريخي بين العماد ميشال عون ورئيس القوات سمير جعجع الذين يمثلان أكثرية المسيحيين، وأثبت المسيحيون أنهم حين يريدون لا يمكن لأحد أن يتخطاهم. والفرصة سانحة بالوصول إلى الاتفاق على قانون انتخابي يعيد التمثيل الحقيقي للمسيحيين ويبقي التمثيل الحقيقي للمسلمين، وبإعادة الرونق والقوة إلى الرئاسة الأولى من خلال وصول رئيس قوي يمثل المسيحيين وقادر على تشكيل جسر تواصل بين كل الطوائف والفئات وخصوصاً أن جعجع يدعم العماد عون إلى الرئاسة وحزب الله يريده رئيساً ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري بادر وتشير المعطيات إلى أنه هو أيضاً يقبل بعون رئيساً بالإضافة إلى أنها من المرات النادرة التي لا يكون فيها الخارج في لبنان وفي كل فاصلة فيه.

على اللبنانيين أن يستفيدوا من الظرف اليوم ليعيدوا التوازن إلى لبنان وتعطى كل طائفة حقوقها ليعود لبنان رسالة كما سماه البابا يوحنا بولس الثاني وليستقيم الميثاق لأن لبنان من دون التساوي الحقيقي بين الجميع يسقط. فلبنان لا يمكن أن يعيش إلا بجميع طوائفه ولا يمكن أن يحلّق إلا بجناحيه المسلم والمسيحي ولا يمكن أن يبقى إلا بالعيش الواحد الفعلي ولا يمكن أن يكون إلا بصيغته الفريدة التي تعطي نموذجاً حضارياً للعالم أجمع. الفرصة نادرة وعندما يتطبق الميثاق وتتحقق الشراكة الفعلية وتنتفي الذمية السياسية ويسقط شعور المواطنية درجة ثانية عندها فقط يمكن الوصول إلى دولة مدنية عادلة وقوية!

صحافية في إذاعة "صوت المدى" وأستاذة جامعية