المسيحية المشرقية تواجه اليوم خطر الاقتلاع وهي تكافح من أجل البقاء في أماكن إقامتها المحاصرة بأحزمة الغالبية الدينية. هذا الكفاح له إحدى ثلاث نهايات: الهجرة، القبول بمواطنة من الدرجة الثانية، أو مواجهة الإستئصال الجماعي بالحزام الناسف!!   

ما يواجهه المسيحيون اليوم في العالم العربي خاصة، من سعي ملح لتهجيرهم وإبادتهم، على يد جماعات متطرفة وتكفيرية باسم الإسلام، يأتي من ضمن خطة دولية لإعادة فرز سكاني جريمة كبرى بحق الإنسانية وبحق التاريخ. إذ يقتلع المسيحيون من بيئاتهم التاريخية وانتمائهم إلى بيئات غريبة عليهم لإعادة أوطانهم الأصلية إلى تخلف عرقي وظلام ديني دموي والسيطرة على مواردها المكتشفة حديثاً.

 

تحدي الإرهاب التكفيري

إنّ التحدي الأخطر الذي تواجهه المسيحية المشرقية، هو تنامي التيارات والحركات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية الرافضة للآخر غير المسلم والمسلم الذي لا يشاركها الرأي والموقف. وتداعيات استمرار هذه الصراعات في العالم العربي من إخراج المسيحيين، أو إعادة صياغة موقعهم على أنهم أقليات محمية، أو وضعهم في ذمة غيرهم، أو غير ذلك من أشكال إنكار مساواتهم الفطرية بغير المسيحيين من المواطنين، كأفراد وكثقافات أصيلة وكطوائف قائمة، هي أعمال تندرج عمداً في إطار استنزاف المكاسب التي أنتجها تراكم عالمي متواصل لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة للأفراد والمجتمعات.

 

 

الفوضى الخلاقة ومخططات الغرب

وقد عنى تعبير "الفوضى الخلاّقة" الذي أطلقه الأميركيون في ما عناه، تقاتلاً إسلامياً إسلامياً؛ أي تقاتلاً سنّياً - شيعياً، سنّياً - سنّياً، سنّياً - علوياً الخ. وفي معركة داحس والغبراء الإسلامية، كان لا بد أن يقتلع المسيحيون لتخلو مناطق التماس المباشرة بين هذه المذاهب لكي يأخذ الاقتتال مداه، ويتوسع وتتعمّق الخلافات الاسلامية الاسلامية، بالدم والحديد والنار.

وبعد التطورات التي حصلت في العالم العربي، وسعي الغرب الى التحالف مع المشروع الأخواني الذي حاول أن يعيد عهد الخلافة العثمانية الى سابق عهدها، والممارسة العملية التي أظهرت حجم الخطر المتأتي من هذا المشروع المدعوم أميركيًا، كان الخطر على المسيحيين في أشد مراحله. فقد اعتبر الغربيون أنه بامكانهم ايجاد وكيل جديد يؤمن لهم مصالحهم في المنطقة ويحفظ أمن اسرائيل، وما الوجود المسيحي المشرقي المهدد من جماعات لا تؤمن بحق الاختلاف سوى "خسائر وأضرار جانبية" في معركة الغرب ضد الشرق، ويجب أن يقدم المسيحيون قرابين على مذبح المصالح الغربية.

لكن بعد ه التطورات الميدانية والسياسية التي تسارعت في وقت قياسي، يمكن القول إن مصير المسيحيين لم يعد مهددًا كما كان في السابق، بل إن سقوط المشروع الغربي في المنطقة بعناوينه الثلاثة، الفوضى والأخواني والوهابي، وتسليم الأميركيين بتراجع نفوذهم في الشرق وتقاسمه مع الروس، يجعل من الخطر الداهم الذي كان على المسيحيين معالجته، أقلّ من ذي قبل.

 

خياراتنا المتبقية

وسطَ كلّ ما يجري، ما هي الخيارات المتبقيّة للمسيحي المشرقي؟

الخيار الأول: وهو الأسوأ، يؤدّي الى الاعتراف بأنَّ المسيحي المَشرقي هو غير قادرٍ على أيَّةِ مشاركةٍ في رَسمِ مستقبلِه ولا يتبقّى أمامَه إلاّ الخضوع لمشيئةِ المستعمرين، وعبوديّة أسيرُ في مسارِ الظالمين.

الخيار الثاني: قد يقودُ المسيحي المشرقي الى الهروب عندما يستشرفُ أنَّ السلامَ الذي في الشرق الأوسط ليس لمصلحتِهِ ولا يصونُ حريَّتَه ولا يؤَمِّنُ حريّةَ معتقداتِهِ. فيهاجرُ الشباب الى الخارج ليعيشَ في ظلِّ وهمِ عدالةِ حقوق الانسان، وهذا الخَيارُ هو خيارُ الهروب وليس مُطابِقاً لكلمات السَّيد المسيح.

الخيار الثالث: قد يكونُ خيار التطّورِ المُنكفِئْ يبحثُ فيه المسيحي المشرقي عن البقاء والعيش المنعزل من دونِ الاهتمام بغيرِهِ ومن دونِ تأديةِ رسالةِ المسيحيّين في المشرق، وهذا الخَيارُ الثالث يقودُ الى تشرذمٍ شَهِدْنا معه تفرّقَ أجزاء المسيحيين أشلاءَ أشلاءَ.

أمّا الخيار الرابع ، فهو خَيارُ التطوّر المشترك – المتكامل... فيرى المسيحي المشرقي نفسَهُ في خِضَّمِ التطوّر الجَماعي. ولكن هذا الخَيار لا بدَّ أن يكونَ ناتجاً عن عمليةِ توليفٍ جَماعيّة بمعنى التناغم مع كافة اطياف وعناصر المجتمع على الرغم من الاختلافات المذهبية والفكرية، وحمل المشروع الوطني المدني.

 

صرخة مسيحيي الشرق

نحن مسيحيو هذا المشرق صوت لن يبح في وجه منطق التكفير الأعمى. نحن مزروعون في هذه الأرض ونحن توأمها. نحن زيتونها وغارها وكرومها. نحن لا نحتكرها لنا بل نحتكر ونتأبط فيها عيشا واحدا مع كل أطيافها ونتوق فيها ومع غيرنا لسلام نتمناه أيضا لغيرنا. نحن صوت لن يبح في وجه الإرهاب الذي لا يميز دينا ولا طائفة ولا إنسانا. نتمنى أن يصغي العالم إلى أنين إنسان هذه الديار وأن يعي أن هذا المشرق وجد ليكون منارة القلب إلى كل الدنيا لا منخلاً لكل الايديولوجيات المتطرفة، التي إن زرعت في بلاد، فإنها لن تتقيد بحدودها.

 

وتأسيسًا على ما سبق، وبما أن جبهات مشاريع الاقتلاع باتت تعاني انهيارًا دراماتيكيًا في صفوفها، بات على المسيحيين المشرقيين تغيير استراتيجيتهم وكيفية التعبير عن مطالبهم، فالخوف والقلق والخطر المحدق بهم، لم يعد يمسّهم وحدهم بل إن المسيحيين والمسلمين في هذا المشرق، على حد سواء باتوا أمام خطر أصولي تكفيري يتغلغل في مجتمعاتهم ويهدد أمنهم وحريتهم وكرامتهم، فإما أن يواجهوه معًا أو أن يسقطوا معًا.

 باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة