منذ أنْ تطرَّق المعلِّم بطرس البستاني في وطنيَّته العاشرة العام 1861 إلى ضرورة الفَصْل بين السلطة الدينيَّة والسلطة السياسيَّة، ومنذ أنْ أدخل إلى القاموس العربي تعبير "العلماني"، باتت العلمانيَّة موضوعًا دائمًا على طاولة البحث كاقتراح حلّ للخروج من الحالة الطائفيَّة الشرقيَّة العربيَّة الساميَّة. إنَّ العلمانيَّة ليست منتوجًا غريبًا عن فكرنا هبط علينا من الغرب، بل هي أيضًا مفهوم دخل فكرنا الفلسفي والسياسي منذ أواسط القرن التاسع عشر وتمَّ تطويره وفق حاجات المجتمعات الشرقيَّة. بكلام آخر، العلمانيَّة مفهموم كوني إنساني تشاركه مفكِّرو الشرق مع مفكِّرين آخرين من كلِّ أنحاء العالم، وبالتالي العلمانيَّة هي مبدأ أصيل من ثقافة المشرق الفلسفيَّة والسياسيَّة. فكما أنَّ مجتمعات اليوم لا يمكنها العيش إلَّا وفق مبادئ كونيَّة من مثل "الحريَّة"، و"العدالة"، و"الخير العام"، والحداثة"، و"العيش معًا"، و"الديمقراطيَّة"، وغيرها هي شرط لتحقيق مجتمع الإنسان ودولة الحداثة.

          هذا الكتاب، بما يشكِّل من خلاصة خرج بها محاضرو الندوة اللبنانيَّة ما بين 1946 و1984، هو دليل على مدى تجذُّر العلمانيَّة في ثقافتنا الفلسفيَّة والسياسيَّة، وعلى مدى الجهد الذي بُذل من أجل بلورة علمانيَّة لبنانيَّة مشرقيَّة أطلقنا عليها تسمية "علمانيَّة من عندنا".

          ماذا نقصد بهذه العبارة "علمانيَّة من عندنا"؟ إنَّها اقتراح حلّ لتجديد الصيغة اللبنانيَّة. هذه الصيغة التي تقوم على قاعدة مثلَّثة الأضلع: دستور وميثاق وطائفيَّة. فإذا كان الضلعان الأوَّلان يحملان كلّ الإيجابية للإجتماع السياسي اللبناني، فإنَّ الضلع الثالث المتمتِّل بالطائفيَّة بات مُسيئًا ليس فقط لهذا الاجتماع إنَّما لمستقبل المشروع اللبناني كمشروع ارتقاء حضاري يسمح لكلِّ إنسان موجود على الأرض اللبنانيَّة بتحقيق ذاته الإنسانيَّة المتجذِّرة من ناحية في تراثها وهويّتها اللبنانيَّة المشرقيَّة والمنفتحة في آن على الفضاء العربي والمتوسطي والكوني. ففي عالم اليوم حيث الثورات العلميَّة والتكنولوجيَّة والمعرفيَّة تتوالى بشكل غير مسبوق، لم يعد من الممكن العيش في دولة فاشلة أو مشلولة أو بائسة. فلا مستقبل للبنان خارج مشروع جدّي لبناء دولة الحداثة التي بدورها لا يمكن بناؤها إلَّا على أسس علمانيَّة واضحة.

          من هنا الاقتراح بـ"علمانيَّة من عندنا"، علمانيَّة تتشارك والنماذج العلمانيَّة الأخرى في العالم الكثير من الخصائص - من مثل الاحترام المطلق لـ"حرية الضمير"، ولمفاهيم "المواطنة"، و"الفصل بين الدين والدولة"، و"المساواة ما بين كل المواطنين"، إلخ - لكنَّها في الوقت عينه مُتأقلمة مع الواقع اللبناني والمشرقي والعربي. فإذا كانت المجتمعات الشرقيَّةـ، بما فيها المجتمع اللبناني، مجتمعات لا تزال متمسِّكة – ولو ظاهريًّا – بكونها مجتمعات متديّنة، فإنه لا بدّ لنا من الانفتاح على فكرة إبقاء مساحة معيَّنة للدين في الدائرة العامَّة. من هنا دور هذه "العلمانيَّة من عندنا" بـ"التمييز" وليس بـ"الفصل" التام بين الدين والدولة. فالتمييز يعطينا القدرة على بناء وتنظيم المدينة الأرضيَّة وفق العقل البشري المستقل والمتحرِّر من المطلقات الدينيَّة، وفي الوقت نفسه أنْ تكون عمليَّة البناء والتنظيم هذه مُنفتحة على القيم والمفاهيم الروحيَّة العُظمى المشتركة ما بين كلِّ الأديان من مثل "الرحمة"، و"العدل"، والتعاون"، و"الخير العام"، و"المحبة"، و"الأخوَّة"، وغيرها الكثير ممَّا تتشارك به كلُّ التقاليد الدينيَّة الموجودة على الأرض اللبنانيَّة، على أنْ تكون هذه المفاهيم قد تَعَلْمَنَت من خلال الفلسفة.

          إنَّها إذًا علمانَّية مُتصالحة مع الدين، مُنفتحة عليه ومُعترفة بدوره الروحي، على أنْ يكون لها السلطة الكاملة في إدارة الشؤون الزمنيَّة. بهذا نستطيع الإنتقال من حالة الطائفيَّة إلى حالة المواطنة حيث قبلة كلِّ مواطن لبناني هي الفكرة اللبنانيَّة والانتماء لهذ الوطن اللبناني الإنساني المنخرط في محيطه العربي والمتوسطي.

          يبقى السؤال الأهم: كيف يمكننا الوصول إلى هذه "العلمانيَّة من عندنا". الجواب بدأ بتقديمه مفكِّرون كبار من أمثال علي عبد الرازق، وجورج طرابيشي، وجمال البنا، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالله العروي، ومحمد أركون، وناصيف نصَّار ومشير باسيل عون، وغيرهم من الذين قالوا بضرورة نقد ونفض التراث والإرث العربيَّين (المرتبطَيْن عضويًّا بالإسلام). بكلام آخر نحن بحاجة لتجديد كلِّ منظومة الفكر العربي والإسلامي والمشرقي والسامي.

(يوقع المفكر والأستاذ الجامعي أمين الياس كتابه الجديد "علمانية من عندنا" في معرض الكتاب العربي، دائر سائر المشرق، الأربعاء 7  كانون الأول قبل الندوة حول كتابه الساعة 7h30 مساء وبعدها).