اعُتمدت النسبية في قانون الإنتخاب العراقي في جميع الدورات الانتخابية ومنذ التغيير في العام 2003، وشمل ذلك المسيحيين والذين أفرزت لهم كوتا خاصة من خمسة نواب في آخر دورتين انتخابيتين.

 تم تعديل النظام الإنتخابي عدة مرات لمعالجة الثغرات والأخطاء التي تظهر عادة عند التنفيذ، في محاولة للوصول إلى الصيغة التي تحقق تمثيلا عادلاً وواقعياً، وتنسجم مع طبيعة تكوين المجتمع السياسي، ليتم اعتماد المحافظة دائرة انتخابية واحدة، مع تحديد عدد نواب لكل منها اعتمادا على عدد سكانها، بطريقة القائمة نصف المفتوحة، فيمكن للناخب التصويت إما للقائمة فقط او للقائمة مع تحديد مرشح واحد.

 

النسبية وصحة التمثيل

تطبيق النظام النسبي في الانتخابات جاء بحثاً عن عدالة في التمثيل، وخاصة ان العراق مقسم الى اثنيات طائفية وقومية مع وجود عدد من الاقليات لا يستهان بها، فأستبعد منذ البدء النظام الاكثري والذي قد يفضى الى هيمنة جهة على اخرى، فكان هذا التخوف هو الذي دفع السياسيين الى اعتماد هذا القانون، بحثاً عن تمثيل عادل ووازن لجميع المكونات.

الطبيعة الديمغرافية لتوزيع السكان، سهلت هي الاخرى اللجوء الى هذا القانون، فنص القانون على ان العراق دائرة واحدة في اول دورتين قد افضى الى اظهار نسب المكونات، فجاء اعتماد المحافظة كدائرة واحدة لا يشكل تأثيراً على طبيعة النظام، ويعطي تمثيلاً مناطقياً ويجعل الناخب ينتخب مرشحين اقرب الى بيئته ومكونه.

 

نتائج تطبيق النسبية

وعلى الرغم من أن النظام حقق تمثيلاً نسبياً للجميع، إلا أن طبيعة القانون أفرزت قوائم انتخابية استندت الى هذا التقسيم الطائفي والقومي، وكانت الاساس الذي تم بناء الدولة وفقه، فيما انتقل الصراع السياسي الى الطوائف في بيئتها. فتجد القوائم تتنافس فيما بينها بمناطقها فقط ولا تنتقل الى المناطق الاخرى، أما المناطق المختلطة فتوحدت فيما بينها لتجابه الطائفة الأخرى، كمحافظة نينوى المختلطة بين الكرد والعرب السنة، فتجمع الكرد في قائمة واحدة وتجمع اغلب العرب السنة في قائمة أخرى وجابهوا بعضهم، وهكذا في جميع المحافظات الأخرى.

أما القوائم ذات التوجهات العابرة لذلك الفرز فلم تتمكن من الصمود وسرعان ما تلاشت، ووجدت نقسها عاجزة عن الدخول في هكذا صراع، وربما نستثني منها قائمة الحزب الشيوعي العراقي والتي استمرت بنهجها رغم ان تمثيلها لم يأتي سوى بنائب أو ثلاثة في افضل الأحوال.

 

"سانت لوجي" لإنعاش القوى العابرة للطوائف

بعد ان تحقق تمثيل الطوائف والقوميات، شهدت المرحلة التي اعقبتها هيمنة احزاب وكتل سياسية معينة على كل مكون وطائفة، مستغلة الطريقة المستخدمة في حساب الاصوات، والتي تُعد اكثر اهمية ودقة بمكان من طبيعة القانون وطريقة التصويت.

فاعتماد توزيع المقاعد وتحديد عددها، بطريقة قسمة عدد الناخبين على المقاعد واستخراج قيمة المقعد، ثم قسمة نتيجة كل قائمة على قيمة المقعد واستخراج عدد المقاعد، هذا النظام أقصى العديد من القوى وخاصة غير الطائفية من التمثيل النيابي والتي حققت نتائج جيدة، لمصلحة القوائم الكبيرة والتي جيرت القانون لمصلحتها، وبالتالي حصرت المنافسة بين طرفين او ثلاثة ضمن المكون الواحد.

المحكمة الاتحادية اقرت بعدم عدالة القانون الانتخابي وبطلانه، فتم اقرار قانون جديد باعتماد طريقة سانت لوجي (sant logy)، المتبعة في عدد من الدول الاوروبية كـ (السويد والنرويج وبعض الدول الاوربية الأخرى)، والتي تحد من سرقة الاصوات، وتمنح عدالة في توزيع المقاعد. هذه الطريقة تقسم ناتج القوائم على اعداد فردية (1، 3، 5، 7، 9....)، ووضع ناتج القسمة للمنافسة بين القوائم تنازليا الى أن نصل الى عدد المقاعد المطلوبة لكل دائرة، ما منح القوائم المختلطة والقوى الصغيرة فرصة للتمثيل، والحد من هيمنة الكتل الكبرى طائفياً.

 

كوتا المسيحيين: ثغرة التصويت وسرقة المقاعد

الكوتا المسيحية منحت المكون خمسة نواب، موزعين على خمس محافظات "بغداد، نينوى، اربيل، كركوك، دهوك"، بالنظام النسبي العراق دائرة واحدة، فيما يمكن التصويت لهم من جميع المحافظات ومن أي مواطن بغض النظر عن دينه، وبنظام القائمة نصف المفتوحة.

في الانتخابات الاولى والثانية، ظهرت ثغرة مؤثرة جداً في طبيعة الانتخابات. فمع تدني القاسم الانتخابي للكوتا، حاولت بعض الأحزاب السيطرة عليها من خلال دعم قوائم موالية لها وتحشيد عدد من مناصريها لا تؤثر على نتائجها وتضمن لها مقعدين او ثلاثة تسرقها من الكوتا المسيحية، وهذا يظهر عند حصول قائمة على اصوات كبيرة نوعا ما من منطقة لا وجود للمسيحيين فيها.

وكانت تجربة الانتخابات الاخيرة مؤلمة، عندما دفع حزب عريق كالشيوعي العراقي بقائمة موالية له، وجير لها قسم من انصاره في منطقة معينة، فانتزع مقعداً من كوتا المسيحيين لأنه اعتبره اسهل بقياس الاصوات الانتخابية، والأغرب ان الحزب صرح علناً بذلك واعتبره حقاً مشروعاً ما دام لا يخالف القانون. وعسى ان تنجح محاولات بعض النواب المسيحين في الضغط باتجاه تعديل القانون بما يضمن حصر المصوتين من مكونات الكوتا فقط، ما يحصنها من محاولة سرقتها من هنا او هناك، لضمان تمثيل واقعي يعبر عن رغبات الناخب المسيحي. 

 

لبنان والتعلم من التجربة العراقية

لبنان ما زال يحاول الانتقال من القانون الأكثري الى النسبي الذي يعتبر بالتأكيد خطوة متقدمة في سبيل تصحيح العملية الانتخابية وتحقيق صحة التمثيل. لكن هناك الإختلاف في التجربة العراقية في عدة اوجه. اهمها طبيعة ديمغرافية توزيع الطوائف على البلاد، والتباين في حجم الطوائف والبحث عن المناصفة الحقيقية التي تعتبر الاساس في تكوين النظام، رغم اشتراكهما في بحث السياسيين عن تجيير القانون لمصالحهم الانتخابية.

 لكننا نستطيع طرح التجربة العراقية بالعموم للاستفادة منها وتجنب الاخطاء التي يُدفع ثمنها دوماً ضياعاً في الجهد والوقت، وتأخراً سياسياً يتحمله المواطن والسياسي في آن واحد، وعسى ان تكون بسلبيتها وإيجابياتها تحت أنظار المشرع اللبناني لصياغة قانون يلائم تجربته الديمقراطية. 

صحافي وكاتب عراقي