في خضمّ أزمة عالم اليوم، وبالأخصّ أزمة المجتمعات ذات الغالبيَّة المسلمة وتلك الناطقة بالعربيَّة، ووسط أزمة لبنان الضاربة من رأسه حتّى قاعدة هرمه فراغًا رئاسيًّا، وتخبّطًا وزاريًّا وشللًا برلمانيًّا، وفسادًا اجتماعيًّا وأخلاقيًّا، يسأل البعض الموارنة، من موقعهم المؤسِّس للكيان: ما هي رؤيتكم للبنان اليوم ولبنان الغد، وما هي مسؤوليتكم في إخراج لبنان من حالته الراهنة؟

 

        تكثر الآراء والكتابات حول فقدان الموارنة لرؤية فلسفية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية للمستقبل، وأنّهم يعيشون حالة انحطاط شامل تمنعهم حاليًّا من حمل أيّ مشروع متكامل يلتزمون تحقيقه على مدى الخمسين أو المئة سنة المقبلة. قد يكون في هذه المساءلات الكثير من الصحة، غير أنَّه علينا، وعند النظر إلى تاريخ الموارنة الممتدّ على مدى ألف وستمائة عام، أنْ ندرك بأنَّه لم يكن "تاريخًا سعيدًا" بالمطلق. فتاريخ الماورنة فيه الكثير من الاضطهادات والآلام والخيبات والنكبات، إلا أن الموارنة، ورغم كلّ ذلك، استحقوا البقاء والوجود حتى يومنا هذا. فما هو سرّ هذه الجماعة الصغيرة؟ قد نجد في قول الأسقف حميد-أنطون موراني بعض جواب على ذلك. ففي كتابه "الإنسان وفعل الروح" يقول موراني: "من تعقّب الروحانية المسيحية، والمارونية بالتحديد، رأى أن التاريخ يستند فيها إلى الإيمان بالله، إيمان موروث من الأجداد يقضي بالأمانة، إيمان يبدو غير مكترث بطوارئ التاريخ، بل على العكس هو مرتبط برسالة، إذن بنظرة نحو الممكنات الجديدة في التاريخ".

        وبقدر ما يحمل هذا القول من إطراء للروحانية المارونية، فإنَّه يحمل مسؤوليَّة خطيرة وتاريخيَّة. فالماروني ليس بهذا المستسلم لأحداث التاريخ، إنّه الفاعل دومًا رغم كل انسداد في الآفاق، إنّه الصابر على المصائب والآلام لكنّ بخلفيّة المتطلّع إلى "الممكنات الجديدة"، إلى المستقبل الواقعي والتجديدي في آن. فقوّة الموارنة ليست في خوفهم، ولا في انفصالهم عن طوارئ الزمن إنما في حملهم لرسالة ولرؤية ولمشروع، بحيث تتحول هزائمهم ونكباتهم والتحديات التي يواجهونها إلى نقطة بداية يجددون فيها تاريخهم وتاريخ محيطهم.

        إذا كان الموارنة قد نجحوا في تأسيس لبنان العام 1920، فما هي الخطوة التالية التي عليهم القيام بها من أجل الحفاظ على استمرارية هذا الكيان؟ وما هي طبيعة الدولة التي يجب بناءها والتي وحدها ستكون قادرة على المحافظة على هذا الكيان؟ الجواب، برأينا، هو "الدولة العلمانية". إنه المشروع الوحيد القادر على احتضان الجميع، مهما تنوَّعت انتماءاتهم وتصوراتهم وضمائرهم. علمانيَّة يكون مبدأها الأساسي والإيجابي هو "الأمة اللبنانية"، وهدفها تركيز دعائم العيش المشترك في لبنان على قاعدتين أساسيتين: تتمثل الأولى في احترام الدولة للمساواة المعنوية والأخلاقية والقانونية بين أفراد الأمة، وتتمثل الثانية في حماية حرية الضمير، التي لا تنحصر فقط بالبعد الديني أي بحرية المرء في أن يؤمن أو لا يؤمن وفي أن يغير إيمانه ودينه بحسب ضميره واقتناعه، بل إنها تتعدى هذا الأمر لتشمل حرية الإنسان على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والفلسفية والفكرية، ما سيفتح المجال لكل إنسان في البحث عن الحقيقة – بكل أبعادها – بكل حرية دون أية قيود أو عقبات دينية أو شرعية أو فلسفية أو اجتماعية.

        إن أعظم ما يمكن ان يقدمه الموارنة للبنان اليوم، بعد أنْ كانوا هم سبب تكونّه، هو تكوينهم لمشروع جامع وطني. فالمشروع الطائفي لن يستقدم إلا أبناء الطائفة، أما المشروع الجامع، حيث يشعر فيه كل لبناني أنَّ له رسالة ودورًا ووظيفة لا يمكنه إلا أنْ يكون عابرًا للطوائف، وهذا تمامًا ما يتناسب والحالة اللبنانية، وما تحققه العلمانية. لا بل إنَّ هذا المشروع، وبحال نضوجه، يمكنه أنْ يشكل ليس فقط حلاً للدول العربية التي تشهد انقلابات سياسية واجتماعية ضخمة وانحلال وجودي، بل أيضًا جسرًا جديدًا نعبُر بواسطته إلى الحداثة وإلى الغرب، من ناحية، ويمكنه أن يكون جسرًا نحو مستقبل مشترك حضاري مع الدول العربية الأخرى من ناحية أخرى.      

 أستاذ في الجامعة اللبنانية