حروب الارهاب و تهجير الاقليات في الظرف التاريخي الراهن تكاد تتصدر الاجندات السياسية العالمية. فالإرهاب لم يعد في دولنا العربية فحسب بل وصل الى كل اصداء العالم لكن ثمة حربا" تشن على حضارتنا المعاصرة في كل مكان.

 إن تراثنا العربي والاسلامي شأنه شان أي تراث ثقافي آخر حوى تيارات العقل والاجتهاد والتسامح كما عرف تيارات الانغلاق والتكفير ورفض الآخر. ولم يكن العرب والمسلمون مسؤولين دون سواهم عن الارهاب المعاصر بكل اشكاله بل إنهم الاقل ارهابا" مقارنة بجرائم الحروب الاستعمارية وجرائم الصهيونية الاستيطانية في فلسطين.

إن أعداء الإسلام والمسيحية اليوم، وخاصة أعداء الحضارة الإسلامية، لا يتوقفون عن محاولة إثارة النزاعات بين الناس من مختلف الأديان ويتعمدون تضخيم الصراعات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعرضها كأنها اختلافات طائفية ومذهبية لا يمكن التغلب عليها. ويعملون على تأليب المسلمين ضد المسيحيين، وبالعكس مستخدمين جهل الناس بدينهم وتاريخهم..

 

إن التنوع الديني الذي يتشكل منه الشرق والذي على الرغم من الاختلاف بينه، استطاع تكوين عدة ثقافات بأجنحة متعددة، وعانت المنطقة العربية منذ بداية تأسيسها من نفوذ سلطوي ومستبد أمن لها الاستقرار ولكنه حرمها من أدنى مقومات الحرية.

لقد تحول الصراع السياسي والاجتماعي راهناً الى صراعات دينية متنوعة آخرها الصراع بين السنة والشيعة المدعوم من دول إقليمية، فالعالم العربي أضحى وحشاً تغذى على مدى السنين من نقاشات دينية وعقائدية عقيمة ساعدت على نشر وتشجيع الكراهية ليس تجاه أولئك الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة فحسب، ولكن أيضا تجاه أتباع الدين الواحد كالتنظيمات الجهادية المتطرفة من سنة وشيعة، تتمتع بموارد مالية ضخمة، والتي استقطبت الشباب الى حربها المقدسة مؤثرة بذلك الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني.

 

إن المعارضة لهذه الحركات التي تسمي نفسها "إسلامية- جهادية" ارتفعت من أتباع الإسلام المعتدل وبعض المراجع الروحية ولكن خشية أن تتهم بالهرطقة بقيت حركات خجولة، تاركة المجال مفتوحا للمتطرفين اضافة الى السياسات الكارثية التي لم تحرك ساكنا لمكافحة الفقر والجهل والبطالة والفساد على اشكاله، وتدخلات القوى الإقليمية والدولية التي ساهمت بتغذية هذا التطرف والذي يصب بمصلحتها بشكل مباشر.

 إن تحجيم الدور المسيحي هو الذي ادى الى هجرة المسيحيين مما فاقم عدم التكافؤ الديموغرافي، بالإضافة الى اللجوء الفلسطيني والسوري الهائل وتداعيات الصراع السني - الشيعي في المنطقة اضافة الى تدخل حزب الله في الصراعات الاقليمية وانخراط مجموعات متطرفة في المجتمعات الفقيرة من هنا وهناك، الأمر الذي ساهم في تردي الحالة السياسية والامنية واصبحت المنطقة

ساخنة برمتها وقد تأثر لبنان بشكل كبير وادى ذلك الى عدم انتخاب رئيس للجمهورية وشلل في مجلس النواب والحكومة و تدهور في الوضعين الاقتصادي والاجتماعي.

 

أن الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق الاوسط الذي التهمته نيران التطرف يجب ان يكون أولوية للمسلمين قبل المسيحيين لذلك نرى ما يلي:

 

اولاً: لا بد من استعادة مفهوم "الشركة والشراكة" التي نحاول ارسائها في لبنان، فجميعنا في مركب واحد وعلينا أن نتشارك في الافراح و الاحزان واللبنانيون اصبح لديهم وعي كاف لإدانة المجازر التي يكون ضحاياها من طوائف أخرى.

ثانياً: العمل مع الدول العربية الشقيقة على ارساء ثقافة القبول بالآخر كما هو وليس كما اريده انا ان يكون، وترسيخ ثقافة الديمقراطية التي لا تتوقف عند صناديق الاقتراع بل تشمل كل حياتنا اليومية وحماية الموروث الثقافي الذي اسهم فيه العرب من مسلمين و مسيحيين عبر التاريخ.

ثالثاً: العمل مع القيادات السياسية والمدنية في المنطقة على تغيير البنية التشريعية التي تنتقص من حقوق الأقليات نحو مواطنة كاملة غير منقوصة للجميع، وتعزيز قيم الديموقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، بعد تاريخ طويل من القمع والاستبداد ودعوة الاحزاب بان تتبنى في طروحاتها هذا النفس التعددي الديمقراطي الحضاري.

رابعاً: تأسيس مرجعية نخبوية اكاديمية تشرف على المناهج التعليمية في عالمنا العربي بحيث يصار الى ضبط المناهج التربوية وحذف كل ما يثير النعرات الطائفية أو يحرض ضد ديانة أخرى.

خامساً: العمل على اغلاق قنوات الفتنة والتي لم تنطلق الا لإثارة مواضيع دينية وتكفيرية هدامة.

 

وأخيراً علينا ان لا يبقى إنتاجنا الفكري محصوراً بنخبة لا تتجاوز الاثنين في المائة من القراء والمتابعين في العالم العربي بل ينتقل الى كافة الشرائح العمرية والجنسية و ابتكار طرق واساليب و تقنيات حديثة للتوسع والانتشار.

 

صحافي ورئيس الهيئة الشبابية الإسلامية المسيحية للحوار في لبنان