كتب أحد النقاد هوامش على مسرحية الفيلسوف - برنارد شو - جان دارك - وتوقف طويلاً عند مشهد أحد القساوسة وكان ممن حكموا على - جان دارك - بالموت حرقاً، وأراد أن يشاهدها وهي تحترق فما إن وقعت عيناه على السنة النار تنهش جسدها حتى ارتعش وأدار وجهه حتى لا يرى ما يراه فقيل له: لكنك أنت الذي حكمت عليها بهذا المصير، فتمتم قائلاً : لم أتصور عندئذ أن تلك هي صورة التنفيذ.

وهي صورة من صور الإرهاب الفكري والديني في نتائجه الدموية ويناظرها في مجتمعنا العربي تسلط بعض الحركات الإسلامية على رقاب الناس ومصادرة حرياتهم بفتاوى التكفير وعسفها في قتل من يخالفها الرأي من المسلمين والمسيحيين، ما يعني في دلالة هذا القطع أن رفض الآخر بسبب معتقده الديني هو رفض لصيغة العيش المشترك وقيمها الإنسانية والأخلاقية والحضارية.

 

الوجود المسيحي قضية عربية وإسلامية

ومن وجهة نظر الباحث عبد الحسين شعبان في كتابه الجديد: "أغصان الكرمة- المسيحيون العرب" فإن استهداف المسيحيين في الشرق سيكون دليلاً على أن المسلمين يعملون على استئصال الأديان الأخرى، وهو مطابق تماماً لما تردده إسرائيل مدعية بأن صراعها مع العرب والمسلمين هو صراع ديني تناحري إقصائي، لأن العرب والمسلمين يريدون القضاء على اليهود وهم لا يتقبلون اليهودية.. وهكذا يختفي الجانب العنصري الصهيوني المتعصب من الصراع وهو ما يصب في مصلحة العدو الذي يغتصب الأرض ويجلي السكان ويمارس العدوان منذ قيام كيانه الإرهابي وحتى اللحظة الراهنة.

 

وعندي إن قضية المسيحيين اليوم يجب أن تكون قضية كل العرب وكل المسلمين، ذلك أن المسيحيين العرب هم جزء لا يتجزأ من وجودنا وهويتنا، وما تطرحه مراكز الأبحاث الإستراتيجية من أفكار ومشاريع حول حفظ الوجود المسيحي في المشرق في إطار الدولة المدنية العصرية وقوامها المنتظم بالديمقراطية والتنمية والمواطنة المتساوية التي يكفلها الدستور ستظل حبراً على ورق ما لم يلتفت الباحثون إلى أسئلة البحث في العوامل الاجتماعية لسلامة النسيج الثقافي والديني المتعدد وتحصينه من خطر الإرهاب المجتمعي المدجج بنصوص التمييز والكراهية التي تحاصر المسيحي العربي في وطنه وتقتله في واضحة النهار باسم الدين.

 

دور المؤسسة الدينية الإسلامية

ومن هذه الحقيقة المؤلمة فإن دور المؤسسات الإسلامية ومراجعها يجب ألا يكتفي بمجرد الاستنكار وإدانة الجرائم الوحشية التي تستهدف المسيحيين ومقدساتهم، بل يتطلب الأمر جهداً فقهياً لتنقية تراثنا الإسلامي من كل الأحاديث الموضوعة ومن كل التفاسير الخاطئة التي يستند إليها البعض في تبرير هدر دم المسيحي واستباحة كرامته وحقوقه وصولاً إلى فصله عن أمته ووطنه بالتهجير الإجباري والقسري.

وما من شك في أن جهداً بهذا المستوى من إصلاح مناهج التعليم ومناهج التفكير سيرفع الغطاء عن الإرهاب التكفيري ومصادره الدينية التي لا أساس لغلوها وتطرفها في قرآن كريم أو سنة طاهرة، لا سيما وأن تعزيز العلاقة بين المسلمين والمسيحيين هو الأصل الذي قامت عليه السيرة النبوية في دستور المدينة وعلى منهاجه القرآني استخرج الفقهاء ثقافة السلم الأهلي وفقه الاجتماع الديني والعيش المشترك.

 

لقد كتب المسلمون مئات الكتب عن الحرية الدينية والتعددية وفقه التسامح، ولكن تطوير هذا الخطاب بمناهجه المختلفة يحتاج اليوم لأبحاث علمية متخصصة تناقش أسباب الكراهية والتمييز داخل المجتمعات المتأثرة بفتاوى التضليل الديني وضغائنه التي تحض على إثارة الفتن وتهديم الأمن الاجتماعي، ولا يمكن تطبيق القوانين التي تجرم العنف بعامة والمرتبط منه بازدراء الأديان بخاصة إلا من خلال التصديق عليها وترجمتها إلى برامج تربوية وتعليمية تأخذ على مسؤوليتها معالجة الأسباب الكامنة وراء التحاق الشباب والفتيات بتنظيمات إرهابية تعتبر قتل المخالفين بالدين واجباً جهادياً مقدساً يمنحه شرف الفردوس الأعلى وجناته.

 وما كان لأسباب التطرف أن تجنح إلى القتل والعنف الدموي لولا أمران اثنان :

أحدهما: تقصير المؤسسات الإسلامية المعنية بمعالجة هذه الظاهرة من داخل عواملها الفكرية والدينية

ثانيهما: بشاعة الاستثمار السياسي من بعض الدول العربية والإسلامية التي شاركت بتمويل وتسليح الحركات الإرهابية في ظل سياسات دولية كشفتها الأحداث ولم تعد خافية على أحد باستثناء مجلس الأمن الذي لا يريد أن يفتح أمام الشعوب المقهورة باب المحاسبة والأسئلة.

 

أمين عام ملتقى الحوار بين الأديان والثقافات