يؤكد الباحثون وجود خطة واضحة المعالم تهدف إلى شن حرب إبادة ضد مسيحيي سورية وبلاد الشام بهدف دفعهم إلى الهجرة وإخلاء المنطقة من الوجود المسيحي. فحين يغدو المشرق العربي من دون مسيحيين، أو أقله دون مسيحيين فاعلين، وينقسم المسلمون إلى سنّة وشيعة يخوضون حرب إفناء لبعضهم البعض، وتنعدم الأسس الوطنية للدول القائمة، وتتفتت المجتمعات إلى طوائف وقبائل وأعراق، عندها يحصل مشروع الدولة اليهودية العنصري على مبرراته الواقعية، ويسهل طرد العرب مسيحيين ومسلمين من داخل الكيان الإسرائيلي.

 

خيارات المسيحيين

وفي مواجهة الانحسار العددي، وصعود الخطر التكفيري، واحتدام الصراعات العرقية والدينية في العالم العربي، يقف المسيحيون المشرقيون، بما بقي لهم من تأثير ونفوذ، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموافقة والمساهمة في تفتيت المنطقة إلى كيانات عرقية وطائفية متناحرة وقائمة على عصبيات قاتلة؛ أو العمل للخروج من هذا المأزق باتجاه تأسيس عقد اجتماعي جديد، يحاكي الحداثة وقيمها بكل أبعادها، ويقوم على سيادة القانون والحكم الدستوري والمساواة والعدالة والديموقراطية والحريات التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الأنسان، وعلى رأس هذه الحريات حرية المعتقد والرأي والتفكير، وحق كل جماعة أو مجموعة في تطوير ثقافتها بالطريقة التي تراها ملائمة لها، شرط عدم الإخلال بالعقد الاجتماعي القائم على القبول الحر.

ويدعو بعض الباحثين من جهة اخرى المسيحيين المشرقيين إلى وعي قضايا المنطقة وعيش معاناتها والتزام قضاياها وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية القدس. وكذلك يدعونهم إلى الانخراط في مواجهة أنظمة القمع والفساد إلى جانب المسلمين المعتدلين، مما يحرم مجموعات كثيرة ذرائع الاستفزاز حيث تتم المساواة والتماهي بين الغرب "المسيحي" القاتل والمسيحي العربي. وفي هذا المجال يتحتم على المسيحيين المشرقيين القيام بمهمتين غير مستحيلتين:

 

مد الجسور مع الشريك المسلم

الأولى: إقناع الشريك المسلم بوسائل مختلفة، وعلى رأسها اللقاءات والحوارات ووسائل الإعلام، أن الغرب في كل ممارساته الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، وفي دعمه اللامحدود للعدو الإسرائيلي ولأنظمة الفساد والإفساد، لا يعبّر عن قيم أو أهداف مسيحية، بل عن قيم مادية وعن مصالح مجموعات من الرأسماليين والصناعيين والتجار والإعلاميين. وبالتالي لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، ربط حروبه واعتداءاته ومؤامراته بالمسيحية أو بالمسيحيين المشرقيين. وأبرز الأمثلة على ذلك الثمن الغالي جداً الذي دفعه المسيحيون العراقيون في ظل الاحتلال الأميركي "المسيحي" للعراق.

 

الثانية: تشكيل تحالف موضوعي عقلاني بين قوى مسيحية مشرقية و قوى اسلامية متنورة، من أجل مواجهة النظرة السلبية جداً، السائدة في الدول الغربية، ضد الإسلام والمسلمين أو ما يعرف ب "الإسلاموفوبيا". فمن الضروري توعية المجتمعات الغربية على أنه لا يمكن النظر إلى الدين الإسلامي، الذي يؤمن به أكثر من مليار انسان، إلا من خلال النص الديني القرآني، وليس من خلال أفعال وممارسات وخطابات وفتاوى مجموعات إرهابية تكفيرية، يرى الأغلبية الساحقة من المسلمين أنهم ضحاياها مثل بقية العالم، وأنها لا تمت إلى دينهم بأي صلة. فالإستمرار في إطلاق نعوت التطرف والأرهاب على الدين الإسلامي، سيؤدي حتماً إلى مزيد من الصراعات والصدامات، وإلى إشاعة عدم الاستقرار في المشرق العربي وفي العالم، وربما إلى صراع ديانات وحضارات لا نهاية له.

 

أين الكنيسة المشرقية؟

تبقى الإشارة ضرورية إلى أن الكنائس المشرقية تتحمل مسؤولية أساسية في الحفاظ على الوجود المسيحي وتفعيله. فالكنائس المشرقية مدعوة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى مبادرات شجاعة ورائدة لمواجهة المشاكل الكثيرة التي يعاني منها الشباب المسيحي، وعلى رأسها مشاكل التعليم والعمل والسكن والصحة، وذلك للمساهمة في الحد من ظاهرة الهجرة. وتتحمل الكنيسة المشرقية مسؤولية في تحفيز الشباب على الإنخراط في العمل الوطني والاجتماعي، وفي تحويل المدارس التي تديرها الرهبانيات إلى مواقع للتواصل مع الآخر، وللتوعية على أهمية الحوار العقلاني البعيد عن الغرائزية، مما يساعدهم دون شك في تفعيل حضورهم في المجتمع وفي تجنيبهم الكثير من الهفوات والمطبات.

 مدير معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع