يواجه المسيحيون في العراق ومصر وسوريا وفلسطين المحتلة وبعض الدول العربية ، وخصوصا  في السنوات  الاخيرة، العديد من التحديات والمشكلات مما ادى الى اعادة طرح ملف الوجود المسيحي في الشرق بشكل قوي. وأما على الصعيد اللبناني، فالمسيحيون غير مستهدفين بعمليات أمنية، وليس هناك مشاكل أو حروب بين المسلمين والمسيحيين، لكن الوجود المسيحي في لبنان يواجه مشاكل أخرى كتراجع عدد المسيحيين ودورهم السياسي، واضطرار معظم القوى السياسية والحزبية المسيحية الفاعلة الى التحالف مع قوى مسلمة أو ذات غالبية اسلامية.

 

وقد كان الوجود المسيحي في الشرق محور البحث والنقاش في العديد من المؤتمرات واللقاءات في الفترة الماضية،  وقد صدرت العديد من القرارات والتوصيات عن هذه المؤتمرات لكنها لم تؤد الى معالجة مشاكل المسيحيين. ورغم ان «تنظيمي داعش والقاعدة» وبعض المجموعات الإسلامية المرتبطة بهم أو المتأثرة بأفكارهم قد تبنت المسؤولية عن الاعتداءات والتفجيرات وعمليات التهجير التي طالت المسيحيين لأسباب مختلفة، لكن ذلك لا يمنع وجود اطراف أخرى قد تكون وراء بعض هذه التفجيرات والاعتداءات، وخصوصاً الكيان الصهيوني وأجهزته الاستخبارية وذلك في إطار تسعير الخلاف الإسلامي - المسيحي \. لكن بغض النظر عن الجهات التي تقف وراء هذه التفجيرات، سواء كانت تنظيمات إسلامية متطرفة أو جهات أخرى مجهولة، فإن حماية الوجود المسيحي في المنطقة أصبحت مسؤولية إسلامية عامة.

فما هي الأسباب الحقيقية وراء مشكلة الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة؟ وأي دور يمكن ان تقوم به الحركات والقيادات الإسلامية لحماية هذا الوجود؟ وهل يمكن تقديم رؤية اسلامية جديدة لازمة الوجود المسيحي في الشرق؟

 

الأسباب الحقيقية لمشاكل المسيحيين

يواجه المسيحيون في لبنان والمنطقة العديد من المشاكل، وخصوصاً على الصعيدين السياسي والأمني. ومن خلال اللقاءات المباشرة مع قيادات دينية وسياسية وفكرية مسيحية وعبر الاطلاع على الدراسات التي أعدت عن الوجود المسيحي ومشاكل المسيحيين، يمكن تلخيص الأسباب التي تقف وراء هذه المشاكل بما يأتي:

 

  • الهجرة المسيحية من لبنان والمنطقة وتراجع عدد المسيحيين.
  • الاستهدافات الأمنية والعسكرية للمسيحيين وخصوصاً في سوريا والعراق ومصر، مع العلم أن العمليات والتفجيرات وعملية التهجير التي تحصل في العراق لا تستهدف المسيحيين فقط، بل هي تستهدف جميع الفئات الأخرى من المسلمين الشيعة والسنّة،  ولعل ما جرى في الموصل وسهل نينوى من اخطر ما تعرض له المسيحيون في السنوات الماضية ومشكلة التطرف والتنظيمات المتطرفة تنعكس على الواقع الإسلامي عموماً، لكن نظراً لقلة عدد المسيحيين فإن استهدافهم يبرز بشكل أقوى اعلامياً وسياسياً.واما الوضع في سوريا فهو مشكلة كبرى يعاني منها كل المجتمع السوري ولا يزال وضع المسيحيين في سوريا افضل من غيره من الدول.
  • مشكلة النظام السياسي العربي وعدم توافر الحريات العامة وكذلك عدم المساواة
  • الواقع الاقتصادي الصعب وتراجع عمليات التنمية وازدياد الهجرة وهذه مشكلة عامة.

 

مبادرة إسلامية عملية

من خلال عرض الأسباب التي تقف وراء المشكلات التي يواجهها المسيحيون في المنطقة، نجد ان هناك نقاطاً مشتركة كثيرة مع المسلمين، فالتطرف والغلو أزمة كبرى يواجهها الواقع الإسلامي، كما ان التخويف من الإسلام والتضييق على المسلمين في بعض أنحاء العالم (أوروبا وأميركا) يؤدي أيضاً الى بروز بعض الاتجاهات السلبية في الواقع الإسلامي.

وأمام هذا الواقع فإن الحركات والقيادات الإسلامية معنية بالعمل والمساهمة في تقديم مبادرات حقيقية، سواء لحماية الوجود المسيحي ومنع استهداف المسيحيين أو لجهة معالجة الواقع السياسي والاقتصادي العام في لبنان والمنطقة.

ولقد عمدت العديد من القوى والحركات والجمعيات الإسلامية الى القيام بخطوات عملية من أجل مواجهة التطرف والدعوة للمساواة وتعزيز المواطنة، ومن هذه الخطوات المؤتمرات التي عقدت في بيروت عامي 2003 و2008 والتي جمعت عشرات الجمعيات والشخصيات والحركات الإسلامية وصدر عنها ما يسمى «الميثاق الإسلامي»، وكذلك المشروع الذي اطلقه «الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين» والذي يدعو لاعتماد الوسطية والاعتدال.كما اقام ملتقى الاديان والثقافات في لبنان العديد من الانشطة لتأكيد العلاقة الوثيقة بين المسلمين والمسيحيين وللتضامن مع المحن التي تعرض لها المسيحيون في سوريا والعراق. وقد اطلقت في بيروت والقاهرة ومراكش واسطنبول وعمان العديد من الوثائق والبيانات والاعلانات التي تدعو لحماية التنوع ومواجهة كل اشكال التطرف والعنف.

 

كما قامت وفود علمائية تمثل المرجعيات الدينية في النجف وقم بالتواصل مع القيادات المسيحية والكنسية وعرض أفكار عملية للتعاون في مواجهة التطرف لكنها لم تلق الترحيب والتجاوب المطلوب.

 

اذن نحن أمام مبادرات متنوعة، لكن المطلوب اليوم قيام خطوات ومشاريع كبرى تؤكد التضامن الإسلامي مع المسيحيين والبحث مع القيادات المسيحية في كيفية العمل بشكل مشترك لحماية الوجود المسيحي. وان كان الأهم في كل ذلك اعادة البحث في مشاريع العمل الوطنية واطلاق مبادرات حقيقية لاصلاح الأنظمة السياسية في المنطقة العربية، لأن الأزمات التي تواجهها هذه الأنظمة تنعكس سلباً على كل الواقع العربي والمواطنين العرب (مسلمين ومسيحيين).

وقد تكون «أزمة الدولة» في الوطن العربي هي الوجه الأخطر لكل هذه المشاكل، ومن هنا تبرز اهمية تقديم رؤية جديدة لازمة الوجود المسيحي في الشرق تنطلق من الازمة التي يعاني منها المسلومن والمسيحيون بشكل مشترك وخصوصا مسألة قيام دولة المواطنة ونهاية كل اشكل التطرف والتعصب.

إن أزمة الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة لا تقتصر على المسيحيين فقط، بل هي تطال المسلمين أيضاً، بل هي أزمة الواقع العربي والإسلامي عامة، فمن يتصدى لكل هذه الأزمة؟

 صحافي وباحث في الشؤون الدينية والإسلامية