عبر تاريخ طويل من حروب التطهير والإلغاء، قاوم مسيحيو المشرق موجات منتظمة من الإبادة والتهجير، من خلال اتباع خيارات متعددة: اما التحوّل إلى الإسلام، او التحالفات القبلية، حيث ومتى كان ذلك ممكناً، (وإمكانية التحصّن بمنعزلات جبلية)، او القبول بوضع دوني كأهل ذمّة يدفعون الجزية ويرضون بالجور، في إطار نظام وساطة سياسية تقوم بها النخب الدينية والعلمية والمهنية والمالية بين الطوائف المسيحية والسلطة الحامية.

 

لم يعرف مسيحيو المشرق، طوال ذلك التاريخ من الاضطهاد، وضع المواطنة ـــ ولو المنقوصة ـــ إلا في إطار الدول الوطنية الحديثة التي تنهار أو تتزعزع الآن، أمام موجة جديدة من التطرف الديني اتخذ، أخيراً، سماته الكاملة تحت راية «داعش».

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين، اتبع مسيحيو المشرق، استراتيجيات عدة أولها وأهمها، الاندراج الكثيف في تأسيس الأفكار والتنظيمات القومية، والمشاركة السياسية والمدنية والثقافية، وثانيتها، التعليم والاحتراف المهني والنشاط الاقتصادي إلخ، وثالثتها، الهجرات العائلية والفردية.

 

الخطر وانهيار الدول

ليست «داعش» حدثاً عابراً، إنها موجة متعددة الأشكال والألوان ومتجذرة في قلب المجتمعات، وتتلقى الدعم الحثيث، العلني والضمني، من الخليج والولايات المتحدة والغرب وإسرائيل. وقد أيقظت هذه الموجة الهمجية، بين مسيحيي المشرق، خصوصاً بعد ما حدث في سوريا والعراق، ذكريات تاريخية مؤلمة، وشعوراً بفشل استراتيجية الاندماج والمشاركة، ومخاوف من مصير مجهول. وهذه كلها تدفع نحو الانكفاء والهجرة.

لا شيء يطمئن المهدّدين في حياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم ونمط عيشهم، لا الدول الوطنية التي يرونها تنهار أو تتمزق أو تضعف، ولا المجتمعات التي ظهر من بين صفوفها دواعش فعليون أو قادمون، ولا الكلام المعسول للنخب التي واصلت الصمت إزاء مهابدة المسيحيين وسواهم من «الأقليات» في مشرق يتعرّض لأبشع جرائم التاريخ ضد البشر المختلفين.

نرى أن نزوع مسيحيي المشرق إلى الاندماج، فرّقهم، غالباً، من حيث السكن، بينما نزوعهم المسالم، وتمتعهم، عموماً، بوضع الطبقة الوسطى، يجعل منهم لقمة سائغة للوحوش الآدمية من الدواعش وأشباههم.

 

المقاومة المسلحة تحمي المسيحيين

لا يستطيع مسيحيو المشرق، بعد عقود من المواطنة، العودة إلى الوضع المهين اللاإنساني لأهل الذمّة، ولا يمكنهم تجاوز خيار الهجرة المؤلم، إلا بالاطمئنان إلى قواهم الذاتية. بقاء المسيحي المشرقي على أرضه أصبح مرهوناً بامتشاقه السلاح! وهذه، بحدّ ذاتها، كارثة بالنسبة إلى المجتمعات المشرقية، أن تتحوّل أكثر فئاتها دينامية واندماجاً، إلى تقليد المكونات الأخرى، بالانتظام والتسلّح.

 

التراث التنويري

شرعية المقاومة المسيحية المسلحة، تنبع من الحق في استمرار الوجود في أرض الأجداد، والحياة والحرية والكرامة؛ فلا يمكنك أن تسأل عن شرعية الكلاشنكوف بين يدي رجل يدافع عن بيته وعرضه وأبنائه؛ غير أن على المسيحي المشرقي مسؤولية تاريخية نحو مجتمعه، مرتبطة بتراثه التنويري والعلماني والقومي والتحرري، وهو ما يفرض عليه أن يبدع صيغة لاندراج المقاومة المسيحية في صيغ لا تخرج به عن تراثه ذاك.

باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة