اقترنت البداية الزمنية للحوار الديني بالذاكرة الدينية ونصوصها ومصادرها التاريخية من دون أي التفات لحاجة الواقع وتحدياته.. ونادراً ما نجد أبحاثاً ودراسات تعنى بالجانب التطبيقي من الحوار في حياتنا الاجتماعية والسياسية.. وعلى ذلك امتدت أنشطة الحوار بالذاكرة وصورها النمطية في الراهن المعاصر من دون أي استدعاء لسؤال فهم الدين وفلسفته فهماً موضوعياً وعقلانياً يعالج أزمات التطرف باسم الدين ومشكلات الجمود والتعصب والقطع المعرفي بين المذاهب والطوائف.. حتى بات الخطاب الإنشائي هو السائد الغالب في أندية الحوار ومؤتمراته..

إن فكرة تنظيم الحياة الدينية المتنوعة بالحوار يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن الحوار بكامل أبعاده هو انعكاس طبيعي لواقع التعدد والاختلاف.. غير أن ثماره الاجتماعية والأخلاقية مرتبطة بضرورات المعرفة والتعارف من جهة وترجمتها في المشاريع والبرامج المطروحة لاستيعاب الانقسامات وتداعياتها السلبية على الأمن الديني من جهة ثانية.. ولن يتيسر لنا ذلك إلا بنقل الحوار الديني - الديني من حوار موضوعه الدين إلى حوار موضوعه الإنسان..

 

ولن يضير الأديان أن يكون بينها حدود فاصلة للتمايز المفتوح على تبيان التلاقي في مساحات القيم المشتركة.. وطالما أن المبدئية جزء أساس من هوية المتدين والتزامه بخصوصيته الدينية.. فإن الحوار الصادق حول قضايا الحياة وجوداً ومصيراً وعيشاً كريماً من شانه تخفيف الاحتقانات المذهبية والطائفية.. والذهاب على قاعدة المشترك الإنساني إلى مقاربة الأزمات والمشكلات بروح التعاون وفريضته لا سيما وأن التطرف الديني بمختلف اتجاهاته هو المستفيد الأول من حالة القطيعة بين المختلفين دينياً.. ونراه اليوم قد ذهب بعيداً في تأسيس خطابه من داخل بؤر الجهل والعصبية وأفرط كثيراً في استخدام القضايا الخلافية في الدين فاتحاً بذلك شهية الاستغلال السياسي الحاضر دائماً وبجهوزية عالية لتغذية الفتن الدينية وجرها إلى مزيد العنف وسفك الدماء..

 

وعندي فإن اعتماد الواقعية الدينية في مواجهة الفتن وتحدياتها هو المدخل الموضوعي لحوار الحياة لا في مجال الإصلاح الديني فحسب بل في جميع القضايا المتصلة بالضبط الاجتماعي وتشكل الرأي العام الحاضن لآمال تجديد الفكر والخطاب الديني وأثره المباشر في عملية التغيير.. 

وما نحتاجه في الراهن المعاصر هو نهج جديد لأسلوب حياتنا الدينية على نحو يكون الحوار فيه حاملاً لهموم الأمة وتطلعاتها إلى مستقيل أفضل.. فلم يعد من الجائز أن تكون التعددية الدينية مصدراً لتمزيق اجتماعنا الديني والسياسي بعد أن كانت وعلى مدى قرون مديدة ناظماً لتنوع وحدتنا الجامعة.. وبكلمة لا بديل لنا من توسيع دوائر الحوار فكراً وثقافة وسياسة وحضارة وارتباط ذلك كله بصناعة السلام الواعد بحرية تكسر وإلى الأبد تلك النزعات والاكراهات الفظة التي تريد أن تضع المؤمن بالرسالات التوحيدية السمحة في تناقض قاتل أو قتيل مع شريكه بالإيمان والإنسانية

 

وفي ضوء هذه المقاربة العاجلة فإن حيوية الحوار الديني ستبقى مرهونة بمدى ارتكازه على مستجدات ما يحدث في العالم لا سيما مع فشل وإخفاق تلك التجارب الحوارية التي انطلقت من ذهنيات القطع مع تحديات الواقع الإنساني وأسئلته. وإذا كان الحوار الديني وسيلة لإثبات - الذات الدينية - فلا معنى لإثبات ذلك بمنطق تصنيم العلاقة مع الدين والانفصال عن الأهداف العليا التي كان من أجلها الدين ومحورها أن يكون الإنسان خليفة الله في الأرض.. فلنقل إن التبادل المعرفي بين الأديان يجب أن يقوم على مشروع ديني واحد هو إنقاذ الوطن من شرور الفتن وظلام العصبيات الجاهلية.. ولنقل بموضوعية فهمنا لجوهر الدين.. أن الأديان كلها من أجل الإنسان النبيل.. إنسان المحبة والرحمة.. إنسان الحق والخير والجمال..

* الأمين العام لملتقى الحوار بين الاديان والثقافات