ينشر موقع "اليوم الثالث" دراسة متميّزة للدكتور أمين الياس الأستاذ الجامعي في التاريخ، عن تجربة لبنان الكبير، أعدّها لمناسبة اقتراب المئوية الأولى لولادة الدولة اللبنانية.

 ربَّما يكون حدث إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920 أهمّ الأحداث التي شهدها لبنان منذ ذلك التاريخ وحتَّى يومنا هذا. ذلك أنَّ الأحداث اللاحقة مقارنة بهذا الحدث لم تكن إلَّا هزَّاتٍ ارتداديَّة لولادة كيان أراده جزءٌ من أبنائه ورفضه القسم الآخر.

 

بين حلم الموارنة وخيبة السُنّة 

في الواقع، وفي حين كانت هذه الولادة خاتمة نضال طويل خاضه الموارنة (بقيادة الكنيسة المارونيَّة وبعض المثقفين والأحزاب والجمعيَّات اللبنانية التوجّه) الذين اعتبروا أنَّ لبنان الكبير هو التحقُّق الواقعي والقانوني لحلمهم التاريخي، كانت بالنسبة للمسلمين عامَّة، وللسُنَّة خاصَّة، هزيمة سياسيَّة وخيبة أمل ببناء دولة عربيَّة موحّدة تكون التحقّق التاريخي لتصوّرهم العربي. وممَّا زاد الطين بلّة عندهم أنّ هذه الدولة العربيَّة كانت التعويض المعنوي والواقعي الوحيد للفراغ، أو للعراء التامّ، الذي وجد العرب المسلمين أنفسهم فيه بعد العام 1924 إثر إلغاء أتاتورك للخلافة الإسلاميَّة.

صحيح أنَّ فكرة القوميَّة العربيَّة، أو العروبة، نادى بها بداية العديد من مُفكّري النهضة الأولى المسيحيّين من أمثال بطرس وسليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وأمين الريحاني وغيرهم، وهي كانت بالنسبة لهؤلاء الأرضيَّة المشتركة التي يمكن أنْ تجمعهم مع المسلمين من أجل النضال ضدّ الأتراك. غير أنَّ المسلمين بغالبيَّتهم الساحقة لم يستطيعوا الخروج من فكرة ومقولة أنَّ العروبة هي الإسلام. وقد ترسّخ هذا الأمر أكثر فأكثر بعد إلغاء الخلافة إذ وجد هؤلاء أنفسهم في عراء تامّ للمرة الأولى منذ نشأة دولة المدينة، حتى أنَّه يمكننا القول أنَّهم كانوا في حالة هلع. فلم يجدوا إلَّا العروبة تعويضًا معنويًا ومشروعًا يمكن أنْ يحلّ مكان نموذج الخلافة الإسلاميَّة. إذًا، في هذا المرحلة، كنّا أمام فريقين: أول مسيحي ماروني يعتبر لبنان إبن نضاله وتحقيقًا لحلمه التاريخي، وبلدًا يمكن للمسيحي أنْ يعيش فيه حرًّا، سيّدًا، قادرًا على تحقيق ذاته الإنسانيَّة وعلى فرض وجوده وهويّته في عالم متجدّد ومتطوّر؛ وثان مسلم بغالبيَّة سنيَّة (ذلك أن الشيعة والدروز لم يكونوا قد بلوروا توجهًا سياسيًّا واضحًا آنذاك)، يعيش حالة هلع وضياع سبّبتهما إلغاء الخلافة ليعمّقهما فيما بعد ولادة دولة لبنان الكبير وسقوط مشروع الدولة العربيَّة الموحّدة.

 

الرهانات المارونية      

كان توجّه الموارنة واضحًا آنذاك: نريد دولة ذات نظام جمهوري ديمقراطي، تكون دولة للمسيحيّين لا دولة مسيحيَّة. وعلى الرغم من الكثير من التحذيرات التي قال بها عدد من المثقفين والموظفين الكبار الفرنسيّين (من مثل روبير دو كيه Robert de Caix) بأن الأعداد الهائلة من المسلمين التي تمّ ضمها إلى دولة لبنان الكبير قد تكون سببًا للمشاكل في المستقبل، إلا أنَّ البطريركيَّة المارونيَّة كانت مقتنعة بقدرتها على جذب هؤلاء المسلمين لفكرة لبنان ولطريقة العيش اللبنانيَّة على أسس الحريَّة والديمقراطيَّة والعيش المشترك من خلال التشارك في السلطة وإدارة البلاد، طبعًا مع الفكرة الضمنية بأنَّ المركز الأوَّل يكون للموارنة وهذا ما تمّ تكريسه بمارونيَّة الرئاسة الأولى الوارثة لصلاحيَّات المندوب السامي الفرنسي.   

 

تبدّل الموقف الإسلامي 

جاء العام 1936 بتغيّراته الإستراتيجيَّة الكبرى نقطة تحوّل في موقف المسلمين من لبنان. فالسوريُّون، المطالِبون بإعادة ضمّ المناطق الملحقة بلبنان عام 1920، استغنوا عن مطالبتهم بحكم المعاهدة الفرنسيَّة-السوريَّة مُفضّلين صبّ جهودهم على توحيد أقاليم سوريا الأربعة (المنطقة العلويَّة، والمنطقة الدرزيَّة، حلب ودمشق). هنا، انقسم المسلمون السُنة فريقَين: أوّل مصرّ على الوحدة السورية-العربية، وآخر بدا أكثر واقعية وتقبُّلًا لفكرة الكيان اللبناني المستقل على أنْ يكون جزءًا من عالم عربي على طريق الاتّحاد (وهو النموذج الذي عكسته فيما بعد جامعة الدول العربيَّة). تجرّأ كاظم الصلح في مقاله الذي تحوّل كتيّبًا "مسألة الاتصال والانفصال في لبنان" على دعوة المسلمين للاعتراف بلبنان الكبير والاتفاق مع المسيحيين على مشاركتهم السلطة وإدارة البلاد بانتظار تحقق الحلم الكبير في إقامة الدولة العربيَّة الموحَّدة أو الاتحاد العربي بموافقة الجميع بمن فيهم المسيحيّين والموارنة أنفسهم. وقد تلاقى هذا الموقف مع التوجه الماروني الإستقلالي بقيادة يوسف السودا، وكانت ترجمة هذا التلاقي بميثاق وطني أول مكتوب في العام 1938 والذي كان أساس الميثاق الوطني الشفهي الذي اتفق عليه كل من رياض الصلح وبشارة الخوري في العام 1943، وعكسوه في خطبهم وبياناتهم الوزاريَّة والتعديل الدستوري الذي جرّد الانتداب الفرنسي من كلّ صلاحيَّاته الدستوريّة.

 

الموقف السُنّي بين لبنان والعروبة

        قد يكون الرئيس تقي الدين الصلح أفضل من عبّر عن ولادة لبنان الجديدة في العام 1943 على أساس التسوية الميثاقيَّة في محاضرة له بعنوان "النداء القومي"، وذلك في الندوة اللبنانية في العاشر من كانون الأول 1953، حيث قال: "لبنان في نظرنا هو البلد الوحيد الذي قام كيانه مُستقلًا عن سائر الكيانات العربيَّة على إرادة قسم من أبنائه [وهم الموارنة] ثم على رضى القسم الآخر من سائر بنيه [ويقصد بهم المسلمين]".

        طبعًا كانت التسوية طائفيَّة. إذ أنَّها قامت بين جماعتَين دينيَّتَين وثقافيَّتَين مختلفَتَين: المسيحيّون (وعلى رأسهم الموارنة) والمسلمون (وعلى رأسهم السُنّة). كان كلٌّ من الصلح والخوري مدركَين لهذا الواقع. من هنا استفاضة كلّ البيانات الوزاريَّة والخطب الرئاسيَّة والمشاريع السياسيَّة بالتشديد على الطابع المؤقَّت للطائفيَّة إلى حين بناء المجتمع المدني على أساس المواطنة والهويَّة اللبنانيَّة والتربية المدنيَّة. حتّى أنَّ المواد المتعلّقة بالطائفيَّة في الدستور اللبناني هي ذات طبيعة مؤقَّتة كما بيّنتها دراسات العلَّامة الدستوري إدمون ربّاط.

       

تداعيات الصراعات الإقليمية

غير أنَّ رياح المنطقة جرت بما لم يكن يتوقّع أرباب التسوية اللبنانيَّة آنذاك. اصطدم العرب ببعضهم بعضًا حول مشاريع الوحدة العربيَّة، ثمَّ كان إعلان دولة إسرائيل في العام 1948 ليليها هزيمة الجيوش العربيَّة في العام نفسه وهجرة مئات الآلاف من الفلسطينيّين إلى الدول المحيطة ومنها لبنان. تشظَّت المنطقة بين سياسات أحلاف متناقضة. ثم كان تحوّل الأنظمة العربيَّة إلى الدكتاتوريَّة العسكريَّة يزايد كلٌّ منها على الآخر بعروبته ووفاءه للوحدة العربيَّة والتحرُّر العربي من الاستعمار والقضيَّة الفلسطينيَّة. كان على لبنان، هذا الكيان الحديث الولادة والدقيق المعادلات، أنْ يتعامل مع كلّ هذا الضغط المتأتي من الخارج والمسبّب لترددات داخليّة. توقَّفت مسيرة التطوّر السياسي مباشرة، وكان التجديد للرئيس الخوري العام 1948 بما يمثلّه من خرق للدستور خير دليل على ذلك. فجأة سقطت كلّ مشاريع التطوير السياسي في لبنان التي كان يُفترض منها أخذ لبنان أكثر باتّجاه العلمانيَّة وإلغاء الطائفيَّة. وعلى الرغم من محاولة الرئيس فؤاد شهاب إبَّان الستينيات إجراء بعض الإصلاحات إلَّا أنَّها اقتصرت على المجالات الإداريَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ولم يستطع المسّ بطبيعة النظام الطائفي اللبناني.

 

معضلة المواطنة

        على الرغم من الازدهار الذي شهده لبنان، ومحافظته وحيدًا في الفضاء العربي على شكل من الديمقراطيَّة وتبادل السلطة ومساحة للحريَّات الفرديَّة وللقاء بين التيارات الفكريَّة والدينيَّة والسياسيَّة المختلفة، إلَّا أنَّ الطائفيَّة كانت حاجزًا أمام تشكيل شعب لبناني على أساس المواطنة. سقطت كلّ مشاريع القوانين المدنيَّة في المجلس النيابي بحجة أنَّها لا تتلاءم والشريعة الإسلاميَّة. وبالمقابل سقطت كلّ المطالب بتعزيز مشاركة المسلمين في السلطة السياسيَّة بحجّة الدفاع عن الامتيازات المسيحيَّة في السلطة. فكان أن خرج على لسان مُنح الصلح فكرة استئثار المارونيَّة السياسيَّة بالسلطة.

ظلّ النقاش محتدمًا بين تيار الهوية اللبنانيَّة وتيار العروبة ليتحوّل صراع سياسيًّا دائمًا كان يتفجّر عند كلّ لحظة تتكامل فيها عناصر التفجُّر الداخليَّة والخارجيَّة كما حصل في العام 1958 وعام 1969. ثم أتى صعود الناصريَّة ومن بعدها صعود نجم المقاومة المسلحة الفلسطينية التي حوَّلت مخيَّمات لبنان، بدعم عربي ولبناني إسلامي، إلى معسكرات عسكريَّة، ليعلن بدء انهيار تسوية العام 1943.

        جاء العام 1975 عاماً فاصلًا في تاريخ لبنان السياسي لما عناه من تكريس للإنقسام المسيحي الإسلامي في لبنان، حول هويّته وشخصيَّته ودوره ونمط حياته وعلاقاته وحتى ديمومته وطبيعة نظامه السياسي.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث".