ينشر موقع "اليوم الثالث" دراسة متميّزة للدكتور أمين الياس الأستاذ الجامعي في التاريخ، عن تجربة لبنان الكبير، أعدّها لمناسبة اقتراب المئوية الأولى لولادة الدولة اللبنانية.

 بدايات الأسئلة المسيحية

        للمرّة الأولى بعد إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920 والتسوية الميثاقيَّة العام 1943 بدأ المسيحيُّون التفكير بإعادة النظر بلبنان الكبير. العديد من المسيحيّين لاموا البطريرك الياس الحويّك على إصراره على حدود لبنان الكبير وضمّه تلك المناطق ذات الغالبيَّة المسلمة. العديد منهم أيضًا ندموا على تسوية العام 1943 ورأوا وقوف المسلمين إلى جانب كل التيَّارات العربيَّة وصولًا لتفضيلهم البندقيَّة الفلسطينية على سيادة لبنان واستقلاله وازدهاره وأمنه وجيشه، خرقًا فاضحًا لميثاق 1943. هنا علت بينهم المطالبات بالعودة لحدود لبنان الصغير. كانت هذه المطالبات تبدأ بالفدراليَّة ولا تنتهي بالتقسيم، مرورًا بتيار دعا للعلمنة الشاملة. وقد يكون الكتاب الضخم (الذي هو كناية عن مجموعة من الكتيّبات الصادرة عن نخبة مفكّرة في جامعة الروح القدس الكسليك) أدل تعبير على شعور الخيبة لدى النخبة المسيحية من تجربة العيش مع المسلمين؛ كان عنوان الكتاب: "لبنان الكبير مأساة نصف قرن".

 

علمنة وفدرلة معاً!

قد تكون هذه النخبة أوَّل من طالب بثنائيَّة العلمنة والفدرلة في لبنان. وهي أوردت اقتراحاتها في مجلّد ضخم بعنوان "لبنان الكبير مأساة نصف قرن". ففي كُتَيِّب بعنوان "إعرف حقيقة لبنان السياسي" الصادر بعد عام على اندلاع الحروب في لبنان (1976)، طُرح نموذج "الدولة الكونفدراليَّة الواحدة" بحيث يتشكَّل اتِّحاد "مقاطعات" يكون لكلِّ مقاطعة "استقلالها الذاتي".

في شباط العام 1977 برز هذا الاقتراح بشكل أكثر وضوحًا في كتيِّب آخر بعنوان "نظام سياسي مقترح للبنان الجديد" حيث طُرح "الحلّ الفدرالي" كسبيل للخروج من أزمة النظام السياسي في لبنان. وقد أتبِع هذا الكُتيِّب بمذكرة صادرة عن اللجنة السياسيَّة المنبثقة عن مؤتمر البحوث اللبنانيَّة – الكسليك حول "أربعة صيَغ جديدة ممكنة لبناء لبنان الجديد". في هذه المذكَّرة برزت ثنائيَّة العلمانيةَّ-الفدراليَّة بوضوح كصيغة لحلّ أزمة النظام اللبناني. كان هذا الاقتراح موجَّهًا من نخبة مسيحيَّة إلى المسلمين اللبنانيِّين تقول لهم فيها بما معناه: إمَّا العَلْمَنَة وإمَّا الفَدْرَلَة".

 

قراءة القوتلي الإسلامية

كان هذا الاقتراح محاولة ردّ على مقال للمدير العام لدار الإفتاء في الجمهورية اللبنانيَّة، السيِّد حسين القوتلي، يعبِّر فيه بصدق عن الوجدان المسلم، خاصَّة السني منه. يقول في مقدمة مقاله المنشور في 18 أيلول 1975 التالي: " إمَّا أنْ يكون الحاكم مسلمًا والحكم إسلاميًّا فيرضى عنه [المسلم] ويؤيِّده وإمَّا أن يكون الحاكم غير مسلم والحكم غير إسلامي فيرفضه ويعارضه ويعمل على إلغائه باللين أو بالقوة بالعلن أو بالسر. هذا موقف واضح [...] هو في أساس عقيدة المسلم. وإنَّ أي تنازل من المسلم عن هذا الموقف أو عن جزء منه، إنَّما هو بالضرورة تنازل عن إسلامه ومعتقده [...]". معتبرًا أنَّ الصيغة اللبنانيَّة آنذاك هي "صيغة مسيحيَّة"، وأنَّ "الحلَّ الأساسي [لأزمة الحكم في لبنان إنِّما هي] الدعوة لإقامة حكم إسلامي في لبنان"، يخلص القوتلي في مقاله إلى عرض تسوية على المسيحيِّين مفادها التالي: تنازلوا عن الحكم المسيحي للبنان لكي يتنازل المسلمون عن الحكم الإسلامي بهدف تحقيق "مجتمع العدالة المساواة". ولا يفوت القوتلي أنْ يرفض كلَّ الاقتراحات المطالبة بـ"العلمنة" معتبرًا هذه الدعوات "إحراجًا للمسلمين" ذلك أنَّ هؤلاء لا يمكنهم ان يقبلوا بفصل الدين عن الدولة وهم يؤمنون بالإسلام "نظامًا كاملًا، دينًا ودولة".

 

        مهما كانت التفسيرات المعطاة لهذا المقال، تبقى عبارته الأقوى هي تلك المعبِّرة تمامًا عن قناعة الوجدان السني في لبنان: الحل الأنسب هو الحل الإسلامي، وكل ما هو دون ذلك هو تنازلًا من المسلم أو منَّة منه على الشريك الآخر في البلد. طبعًا، هذا المنطق لم يكن من الممكن أنْ يقبل به مسيحيُّو العام 1975، فكان ردُّهم: إمَّا العلمنة وإمَّا الفدرلة.

 

الدولة الإسلامية والديموقراطية العددية

طبعًا هنا لا يجب أن ننسى توجهات الشيعيَّة السياسيَّة، بعد تغييب الإمام موسى الصدر، والتي ذهبت بمعظمها إلى تبنّي النموذج الإسلامي الإيراني، ولربما خير دليل على ذلك ليس فقط شرعة حزب الله السياسيَّة الصادرة العام 1985 والتي يعلن فيها هدفه بجعل لبنان جزءًا من الجمهورية الإسلاميَّة بقيادة ولي الفقيه، بل بمشاريع الدساتير الإسلاميَّة التي عمل عليها العديد من الأئمة الشيعة من أمثال محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله وغيرهم (رغم أنهم عادوا وحادوا عن هذه المشاريع فيما بعد، لكن الواقعة كانت قد وقعت)، دساتير تهدف لتحويل لبنان، بعد أسلمة مجتمعه لدولة إسلاميَّة تحكمها الديمقراطيَّة العدديَّة الطائفيَّة الإسلاميَّة.

 

وعليه حكمت ثنائية الفدرلة-العلمنة كل الجدل السياسي-الفكري في لبنان حتَّى كان اتفاق الطائف عام 1990 اتفاق فرضته التحوُّلات الدوليَّة والإقليميَّة في منطقة الشرق الأوسط على لبنان بحيث يوضع هذا البلد الصغير تحت الوصاية السوريَّة بموافقة ومباركة الدول الكبرى وأهمّها الولايات المتحدة الأميركيَّة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث"