هنا الحلقة الثالثة من دراسة الدكتور أمين الياس عن تجربة لبنان الكبير، أعدّها لمناسبة اقتراب المئوية الأولى لولادة الدولة اللبنانية.

 انسحب الجيش السوري ومخابراته من لبنان في نيسان 2005 إبَّان تحوُّلات إقليميَّة ودوليَّة ومحليَّة أهَّمها أحداث 11 أيلول 2001 والاحتلال الأميركي للعراق واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. عادت "المارونيَّة السياسيَّة" لتحتلَّ مكانها في النظام الطائفي اللبناني بعد إبعاد دام خمسة عشر عامًا إثر هزيمة 13 تشرين، بعد أنْ كانت الطائفيَّات السياسَّة الإسلاميَّة قد تقاسمت مغانهما برضى وتحكيم سوريَّين.

       

العودة المسيحية تواجه "المغانم" الإسلامية

كان من المنطقي أنْ تصطدم طموحات "المارونيَّة السياسيَّة" المستجدَّة بإرادة الطائفيَّات الإسلاميَّة للمحافظة على مغانمها. وعلى الرغم من انقسامها فقد برزت رغبة عارمة عند كلِّ أطياف المسيحيَّة السياسيَّة لا سيَّما المارونيَّة منها بزيادة حصتها من النظام الطائفي، والتي مثَّل التيار الوطني الحرّ بقيادة الرئيس ميشال عون أبرز تجليَّاتها.

        لربّما الشلل التام الذي ضرب الدولة اللبنانية منذ العام 2005 وحتى أيلول 2016، كان أبرز دليل على انتهاء صلاحية اتفاق الطائف كما تمّ تطبيقه منذ العام 1990. كانت الأزمة الرئاسيَّة باكورة هذا الشلل، وأتت الانتخابات الرئاسيَّة كمحطة-مفترق حاولت فيه "المارونيَّة السياسيَّة" تعزيز دورها في النظام السياسي من خلال فرض "رئيس قوي تمثيليًّا"؛ وقد جوبهت هذه المحاولة بعناد إسلامي راغب بالمحافظة على امتيازاته التي حصل عليها إبَّان الحقبة السوريَّة. لا ضير هنا من ذكر كيف حاول أيضًا المسيحيُّون تعديل القانون الانتخابي بما يزيد حصتهم التمثيليَّة في البرلمان، والذي تجسَّد بالطرح الأورثوذكسي، الأمر الذي رفضه علنًا تيار المستقبل وضمنيًّا الرئيس نبيه برّي تحت مبرِّرات عدَّة.

 

العودة إلى الفدرالية؟

خلال فترة الفراغ الرئاسي برزت أصوات تعيد التذكير بجدلية الفدرلة والعلمنة. في محاضرة في مركز عصام فارس في 22 تشرين الأول 2014 عبَّر الرئيس إيلي الفرزلي عن حقيقة رفض الزعماء المسلمين لإعادة لعب المسيحيين لدورهم في الدولة، يقول: "كلّ الزعماء المسلمين يرفضون السماح للمسيحيِّين بإعادة لعب دورهم في السلطة والدولة. والمرحلة التي نمرُّ بها حاليًّا هي مرحلة مصيريَّة، فإذا لم يتمّ اعتماد قوانين وتعديلات وآليَّات تعيد للمسيحيِّين دورهم وتعطيهم المناصفة الحقَّة فإنَّهم سوف يذهبون إلى خيارات أخرى مصيريَّة ووجوديَّة للكيان اللبناني". واللافت أيضًا في هذا الكلام انَّه أتى عقب محاضرة للصحافي جان عزيز، الذي أصبح فيما بعد المستشار الإعلامي للرئيس ميشال عون، عبَّر فيها عن قناعته بأنَّه طالما يرفض المسلمون بشكل عام والسنَّة والحريري والمستقبل بشكل خاص إعادة التوازن إلى النظام السياسي من خلال انتخاب رئيس قوي أو القبول بإقرار قانون انتخاب يعيد للمسيحيِّين المناصفة الكاملة، فإنَّ المسيحيِّين "سيضعون الآخرين أمام مشاريع تبدأ بالفدراليَّة ولا تنتهي بالتقسيم".

        إذًا، "الخيارات المصيريَّة والوجوديَّة" التي تكلَّم عنها الرئيس الفرزلي المقرَّب من العماد عون ترجمها بوضوح الأستاذ عزيز بأنَها "الفدراليَّة" وربما "التقسيم". كان هذا كلام علني أمام العديد من النخب الفكريَّة والسياسيَّة والإعلاميَّة الموجودة في الندوة المذكورة.

       

غير أنَّ هذا الكلام العلني تواكب مع كلام داخل أروقة التيار الوطني الحرَّ، ففي محاضرة للوزير سليم جريصاتي دعت إليها لجنة الدراسات في التيار في 7 تشرين الثاني 2014 لخَّص فيها المحاضر انفتاح العماد عون على كافَّة التيَّارات السياسيَّة الإسلاميَّة. هذا الإنفتاح الذي أرفقه العماد عون مع رسائل وجهها إلى رعاة اتفاق الطائف العرب وهم دول المغرب والجزائر والمملكة العربيَّة السعوديَّة يدعوهم فيها إلى العمل على التطبيق الفعلي لإتفاق الطائف بما يكرِّس المناصفة الحقيقيَّة بين المسيحيِّين والمسلمين. وقد أنهى الوزير جريصاتي عرضه بالتنبيه الواضح والصريح من انَّ البديل عن عدم قبول المسلمين في لبنان بمبدأ المناصفة الفعليَّة – المتمثِّلة بإقرار قانون انتخابي عادل، وانتخاب رئيس قوي للجمهوريَّة وبناء الدولة – سيكون إمَّا "الفدرلة" وإمّا "الكَنْتَنَة".

        بهذا يمكننا أنْ نفهم أنَّ هناك شيء ما كان يجري – وربما لا يزال – في كواليس النخب الفكريَّة والسياسيَّة المسيحيَّة يشير إلى أنَّهم أعادوا إلى جدول أعمالهم فكرة الفدراليَّة كمشروع نظام سياسي بديل عن نظام الطائف المشلول كليًّا. خاصَّة وأنَّهم يجدون أنفسهم في جوّ إقليمي شديد الخطورة تتفكَّك فيه الدول في العراق وسوريا وليبيا وتتعرَّض فيه الأقليَّات والأكثريَّات معاً اضطهادات مرعبة على يد الجماعات التكفيريَّة.

       

على ضوء هذه المعطيات علينا أن يجب قراءة التصريحَين الصحافيَّين للعماد عون في حزيران 2015 حيث يعبِّر العماد بوضوح على أنَّ العلمانيَّة هي النظام الأمثل للبنان. غير أنَّ عدم استعداد اللبنانييِّن لهذا الخيار، وتعنُّت التيارات الإسلاميَّة السياسيَّة برفض مبدأ المناصفة الفعليَّة بين المسلمين والمسيحيِّين في النظام ربما سيدفعان بالمسيحيِّين للمطالبة باللامركزيَّة الموسَّعة وصولًا إلى الفدراليَّة. هذان التصريحان يجب أنْ يتمّ عطفهما على ورقة إعلان النوايا بين التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانيَّة، التي تنصّ في مادتها الرابعة عشر بـ"إعتماد اللامركزيَّة الإداريَّة والماليَّة الموسَّعة ونقل قسم كبير من صلاحيَّات الإدارة المركزيَّة ولا سيما الإنمائيَّة منها إلى سلطات لامركزيَّة مُنتخبة وفقًا للأصول وتأمين الإيرادات الذاتيَّة اللازمة لذلك". ومن المعلوم أنَّ حزب القوات ليس ببعيد عن فكرة الفدراليَّة منذ أيَّام الرئيس بشير الجميِّل.

       ولم يكدّ يمرّ أسبوعين على كلام العماد عون حتى صرّح سامي الجميّل في تموز 2015 عند تسلّمه رئاسة حزب الكتائب بفشل الدولة المركزيَّة في لبنان وأن الحلّ الوحيد لن يكون سوى اعتماد النظام الاتحاد – أي الفدرالي – شكلًا جديدًا لإدارة الدولة اللبنانيَّة. بهذا تكون الأحزاب الثلاثة الرئيسيَّة في البلاد قد خرجت صيف العام 2015 بخلاصة موحّدة مفادها أنّ الفدرالية أو النظام الاتحادي هو مطلبهم الضمني الناتج عن خيبتهم من تجربة العيش المشترك مع المسلمين. وكأنَّهم يريدون بهذا المطلب إعادة النظر من جديد بشكل وحدود وطبيعة نظام الكيان الذي ولد في الأول من أيلول 1920.

       

الحريري يستعيد تراث آل الصلح

قد يكون رئيس تيار المستقبل، الرئيس سعد الحريري – إضافة إلى أسباب أخرى – قد أدرك هذا التوجّه المسيحي (ولربما أيضًا فعلت قيادة حزب الله). ولربما كان هذا أحد أهمّ الأسباب التي دفعته، بعض رفض طويل لتبنّي ترشيح العماد عون للرئاسة الأولى، للقبول بتسوية ثلاثيَّة الأبعاد تجمع ما بينه وبين التيار الوطني الحرّ وحزب الله. قد يكون هذا القرار الذي خرج به الرئيس الحريري لهو من الأهميّة بمكان أنه يعادل ربما تاريخيًّا قرار كاظم الصلح ومن ثم رياض الصلح بقبول التسوية مع المسيحيّين. ذلك أنَّ رفض هذه التسوية التي عادت فيها المارونيَّة السياسيَّة إلى واجهة الحياة السياسيَّة من جديد، من خلال الرئيس الممثّل للشريحة الأكبر من المسيحيّين، لكانت دفعت أكثر فأكثر المسيحيّين لخيارات جذريَّة تبدأ باللامركزية الإدارية والمالية وصولًا للمطالبة جهارًا بالفدراليَّة وجعلها برنامج عمل سياسي ونضالي. إنَّ هذه التسوية التي أُعلِن عنها أواخر صيف 2016 والتي أتى بموجبها العماد عون رئيسًا للجمهورية هي التي أعطت اتفاق الطائف الأوكسيجين الكافي ليستمر بالحياة. ولكن علينا أن ندرك أن هذا الطائف سيطبق بنسخة جديدة وضعت ملامحها في التسوية بين عون-الحريري-حزب الله.

        بالتوازي مع هذا هناك حراك مدني-شعبي أيضًا توضحت ملامحه صيف 2015، كان مطلبه الأساس إسقاط النظام الطائفي وبناء الدولة العلمانيَّة. وقد ترافق هذا الحراك ليس فقط بمطالب شعبيَّة بل بمحاولات لتشريع الزواج المدني في لبنان وشطب القيد الطائفي عن سجلات النفوس.

 

صمود لبنان الكبير

        يبقى لافتًا، على رغم كل هذا المخاض التاريخي، على رغم كل هذه المسار التاريخي الذي فيه من الخيبات بقدر ما فيه من الآمال والتحديات، بقي لبنان الكبير – الذي وصفه الكثيرون بالخطأ التاريخي وبالكيان الاصطناعي – صامدًا وها هو يقترب للاحتفال بمئويته الأولى. أمر صادم حقًا، كيف استطاع هذا الكيان أنْ يمارس سحره على الأفرقاء الداخليّين والخارجيّين حتى يومنا هذا. لماذا يستمرّ اللبنانيَّون في العودة إلى هذا الكيان رغم كلّ خلافاتهم؟ كيف صمد هذا الكيان الصغير الهشّ في حين أن كيانات حوله أكبر منه وأجبر  تنهار وتتقسّم؟

المذهل حقًّا في هذا اللبنان أنَّ أكثر من حاربوه عادوا وامتثلوا لحقيقته وآمنوا بإمكانية نجاح تجربته. يبدو أنَّ إرادة العيش معًا والرغبة بالعيش بحريَّة وكرامة، رغم الخيبات والتحديَّات، تبقى الأساس في تحديد ورسم مسار الأمم والكيانات الحديثة، والتي قد يكون لبنان الكبير واحد منها.  

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث"