"لإيصال رسالة بأن الوقت حان لإنهاء اضطهاد المسيحيين"، هكذا وصف "مايك بنس" نائب الرئيس الأمريكي زيارته القادمة للشرق الأوسط في كانون الأول/ديسمبر القادم. وأضاف في كلمةٍ كان قد ألقاها في واشنطن في مؤتمر الدفاع عن المسيحيين، أن تلك الزيارة تأتي بطلبٍ شخصيٍّ من الرئيس "دونالد ترامب". وأكمل بنس حديثه إلى مسيحيي الشرق الأوسط قائلاً إن "المساعدة في طريقها إليكم" وأشار في كلمته أن المسيحيين في العراق على سبيل المثال قد انخفضت أعدادهم بنسبة 80 بالمائة.

ولكنك صديقي المسيحي الشرق أوسطي، تعلم يقينًا من واقع الخبرات السابقة أنها ليست المرة الأولى التي يعِد فيها رئيس أميركي مسيحيّ الشرق بتقديم يد العون والمساعدة. وسؤالنا للسيد "بينس" هل هذه الزيارة ستأتي بجديدٍ؟ بكلمةٍ آخرى هل هناك استراتيجية أميركية محددة لحماية المسيحيين؟ وما هي ملامحها والأُطر التي ستتحرك من خلالها؟ وهل من ضمانات لتحويل الوعود لواقعٍ عمليٍّ؟ كل تلك التساؤلات سيحاول هذا المَقال الإجابة عليها.

 

ترامب المرشح الرئاسي المحتمل

دخل "ترامب" البيت الأبيض، في ظل تداعيات رهيبة للأقليات الدينية وفي القلب منها المسيحيون، خلفتها فوضى ما سمي ب"الربيع العربي". تحديات بالجملة، الإخوان المسلمون في مصر حاولوا أسلمة المجال العام في مصر، وخرجوا من الحكم بانتفاضة شعبية واجهوها بالإرهاب والدم.

وهناك على الجانب الآخر "داعش" في القارة الأسيوية، في الموصل شمال العراق وفي الرقة في سوريا وفي غيرهما من المدن. ويبدو أن "ترامب" المرشح الرئاسي المحتمل كان على وعيٍ بكل تلك المتغيرات التي جعلت الإسلام الراديكالي في ذروته، حيث تعهد أثنا حملته الانتخابية ب"سحق داعش وما أسماه بالإرهاب الإسلامي Islamic terrorism.

ولكن التجارب السلبية السابقة التي عايشها مسيحيو الشرق، من وعود كلامية من كل الإدارات الأميركية وآخرها إدارة "باراك أوباما" إزاء ما يتعرضون له من افتئات على حقوقهم فضلاً عن تعرضهم للاضهاد الديني، جعلتهم لا يثقون إلا بالأفعال لا الأقوال.

أضف إلى ذلك حالة عدم الاستقرار التي تسود المنطقة في الأعوام السبعة الأخيرة، وتغافل الإدارة السابقة عن معاناة مسيحيّي الشرق، فضلاً عن تحالفها مع التيارات الإسلامية الراديكالية كجماعة الإخوان المسلمين في مصر الضالعة في عمليات إرهابية كثيرة عن طريق جناحها المسلح "حسم" ، والجماعات المسلحة التكفيرية والمصنفة كجماعات معارضة للنظام في سوريا، كل ذلك خلق حالة توجس في انتظار تبلور توجهات الإدارة الأميركية الجديدة وأولوياتها.

 

الرئيس ترامب وإعلان الحرب على التنظيمات التكفيرية

بمجرد وصوله للبيت الأبيض أعلن ترامب الحرب على الإرهاب الذي تمثله التنظيمات التكفيرية، وعلى رأسها "داعش"، مؤكداً أنه لن يوقف هذه الحرب إلا بالقضاء عليه وعلى جذوره، وضمن هذا الإطار يمكن فهم ما هدف إليه من خلال القمة الإسلامية الموسعة التي حضرها في الرياض.

ومن هنا أيضا يمكن اعتبار أن الاستراتيجية السعودية في المنطقة باتت جزءاً مكملاً لهذه الإستراتيجية الأميركية، خصوصا في ما عبّر عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حول خطة النهوض الجديدة تحت عنوان "رؤية 2030" وحول العودة إلى ما أسماه الإسلام "المعتدل". وأيضًا في مصر وحديث الرئيس السيسي منذ توليه الحكم عن دحر الإرهاب وضرورة تجديد الخطاب الديني والإشارة الدائمة إلى مراجعة المناهج الدينية وتنقية التراث الإسلامي.

 

التغيير الديموغرافي وازدياد الهجرة المسيحية

أمام الغرب والإدارة الأميركية، عشرات التقارير الحقوقية والإعلامية التي تتحدث عن الوضع المزري للأقليات في الشرق الأوسط والمعاناة المستمرة في دول عدة "سوريا، العراق، مصر"، ما بين كنائس تغلق وتحرق وتهدم.. ونساء تختطف وتغتصب وتسبى.. وأديرة تهدم.. فأصبح المسيحيون لاجئين في أوطانهم.

ومؤخرًا نشرت صحيفة "كريستيان توداي" المهتمة بشوؤون المسيحيين في العالم تقريرًا، ذكرت فيه أن المسيحيين العراقيين لم يتلقوا من الدول الغربية سوى معسول الكلام والوعود فيما يتعلق بالمساعدات. ونقلت الصحيفة في تقرير لها نقلاً عن "ويليام هولاندر" عضو "منظمة الرقابة على الاضطهاد الديني" قوله: "إن المسيحيين في العراق والشرق الاوسط قد تمت خيانتهم من القوى السياسية الغربية".

أضف إلى ذلك ارتفاع وتيرة التطرف الديني باضطراد من دون أن يحرّك الغرب ساكناً فيما يخص حقوق الإنسان والأقليات التي يتغنون بها ليل نهار، وأمام أعينهم حقوق مسيحيّي الشرق المهدورة بالصوت والصورة، والتي وصلت ذروتها في الإعدامات التي نفذت بحق رهبان في العراق، والهجمات التي شنها -ومايزال يشنها وقت كتابة هذا التقرير- المتشددون ضد كنائس عدة في مصر (آخرها غلق كنيسة القديس كيرلس السادس والأرشدياكون حبيب جرجس بمحافظة القليوبية 10/11/2017 م على يد قوات الشرطة نزولاً على رغبة متشددي المنطقة!).

 

نخب قبطية: مسيحيو المشرق ورقة تستخدمها واشنطن ونرفض التدخل الأجنبي

من جانبنا أردنا استطلاع آراء بعض المهتمين بقضايا مسيحيّ مصر لتحليل مضامين الزيارة. القس رفعت فكري نائب رئيس سنودس النيل الإنجيلي ورئيس لجنة الحوار بمجمع القاهرة أكد أن لديه ثلاث ملاحظات على الزيارة:

أولاها: هي أنه في كل التاريخ السابق للإدارات الأميركية المتعاقبة تأكد لنا أن مشكلات المسيحيين في الشرق الأوسط، ما هي إلا ورقة تلعب بها الولايات المتحدة مع الأنظمة العربية لتحقيق مصالحها الخاصة.

ثانيها: يجب ألا أن نغفل أن طوال تاريخنا رفض المسيحيون في مصر أي تدخل خارجي أجنبي لحل مشاكلهم حبًا وانتماءً لوطنهم الحبيب الغالي مصر.

وعن ملاحظته الثالثة قال: لا يمكن لأي منصف أن ينكر أن هناك مشكلات كثيرة تخص المسيحيين تحتاج الي حل، فلا زالت مشكلة بناء الكنائس مشكلة مزمنة رغم صدور القانون المعيب لبناء الكنائس، ولعل ما يحدث في المنيا، وما حدث مؤخرًا في القليوبية خير دليل على ذلك. وكذلك الاعتداءات المتكررة على المسيحيين والقتل على الهوية مثل ما حدث مع القمص سمعان شحاته وغيره، وأيضا الاصرار على جلسات الصلح العرفية.

 

الحل في يد الدولة المصرية

أضف إلى ذلك استبعاد المسيحيين من بعض الوظائف القيادية بالدولة -كالمخابرات والجيش والخارجية- كل هذه المشكلات وغيرها تسيء بالدرجة الأولى لسمعة مصر ومكانتها الدولية ولحضارتها، وأيضا تعطي ذريعة للخارج أن يتدخل في شؤوننا الداخلية.

ويقول فكري: إن كنا نرفض رفضاً باتاً التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية، فإننا نطالب الحكومة المصرية بسرعة إيجاد حلول لمشكلات المسيحيين الداخلية، وأولها جدية مواجهة التطرف والتمييز في كل الجبهات وعلى كل المستويات إعلاميًا وتعليميًا ومؤسسيًا، بإصدار قوانين تمنع وتجرم التمييز، وإنفاذه على كل من يحض على الكراهية والتعصب. ويضيف: كذلك إلغاء قانون بناء الكنائس وإصدار قانون بناء دور العبادة ليحل محله، ويكون حلا جذريًا لمشكلة التراخيص المزمنة في بناء الكنائس.

 

نريد أفعالاً لا أقوالاً

أما القس لوقا راضي كاهن كنيسة القديس يوحنا المعمدان، بمطرانية القوصية محافظة أسيوط

يرى أن الشرق لا يحتاج إلى أقوال بل أفعال، فقد عانينا كثيرً من جراء العبارات الإنشائية والمطاطية التي لم تُترجم إلى أرض الواقع. ووجّه كلامه إلى الإدارة الأميركية قائلاً: يجب ألا تحول قضايا الأقباط إلى ورقة ضغط في حسابات مصالح السياسة أو مجرد رقمٍ في معادلة سياسية يغلب عليها لغة المصالح لا لغة المبادئ.

ويرى راضي أن ما يحتاجه بالأكثر مسيحيوُّ مصرَ هو ضمير إنساني يُنصف حرية الفكر والمعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإلى وقفٍ فوريٍ للتمييز الديني في الوظائف الُعليا في الدولة، ولمن يضغط من أجل وقف زحف نصوص التراث الديني التي تخلق مناخًا خصبًا لتفشي الأفكار المتطرفة ومن ثَمَّ تحويلها لأفعال إرهابية.. ويقول إن المسيحيين يحتاجون لوقف التحريض ضدهم في وسائل الإعلام وفصول المدارس والجامعات وعلى منابر المساجد، لأصواتٍ تخاطب العقلاء في الهيئات الثقافية من أجل تهيئة مناخ عام، قيمُهُ التسامح والمواطنة والعيش المشترك.

 

واشنطن لا تواجه "الإرهاب الوهابي"!

يعتقد الدكتور فوزى هرمينا الناشط والكاتب القبطي جازماً أن الإدارة الأميركية غير جادة في ما أسماه "الإرهاب الوهابي".

وأضاف أنها تستخدمه لتحقيق أهداف لها لا تمت بصلة لقضايا وأولويات الشأن المسيحي المصري. ولا يقتصر الأمر بمسيحيي مصر، فماذا قدمت الإدارات الأميركية لمسيحيي العراق وسوريا؟! إذا كانوا جادين فعلاً في مقاومة الإرهاب وحماية الأقليات الدينية في الشرق الأوسط، فلماذا لا تستخدم نفوذها على هذه الحكومات لتطبيق النظم المدنية العلمانية؟

وقال هرمينا: لماذا لا تقوم بربط المساعدات والإعانات لحكومات تلك الدول بتحقيق تقدم ملموس في حقوق الإنسان وحقوق الأقليات والمواطنة وسيادة القانون، بصورة مجدولة وبسقف زمني محدد؟ وهناك آليات كثيرة آخرى يمكن من خلالها تفعيل تلك المطالب منها على سبيل المثال "التمييز الإيجابي" للفئات المهمشة وفي مقدمتها المسيحيين.

ومما يدعو للأسف -والكلام لا يزال على لسان هيرمينا- أن بعض القيادات الكنسية سواء الأرثوذكسية أو الإنجيلية أو الكاثوليكية، لسببٍ أو لآخر تنفي وجود مشاكل مع الأقباط. ويعتبر أن ربما يكون السبب هو ضغط من الدولة أو خوف على المسيحيين من تعرضهم للاعتداءات إن أقروا بوجود اضهاد ضدهم.

ولكن هرمينا يرى أن في ظل ثورة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن إخفاء الحقائق أو تجاهلها كما كان يحدث في السابق، فضلاً عن تأكده من أن الإدارة الأميركية تعرف كل كبيرة وصغيرة -على حدِّ قوله- في الملف الحقوقي والملف القبطي تحديدًا، ولكن تظل الإرادة السياسية هي الأهم.

 

"حقوقنا تُنتزع بالنضال السلمي"

وفي النهاية يشدد هيرمينا على أن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح عن طريق النضال القانوني والنضال السلمي اللاعنفي وصولاً للعصيان المدني إن أمكن، من دون انتظار لتفضلٍ من أحدٍ في الداخل أو الخارج. ويرى أنه طالما لا يملك الأقباط لوبي قوي يؤثر في صانع القرار الأمريكي كاللوبي الإسرائيلي مثلاً، فلا يجدر بنا أن نُبالغ في سقف توقعاتنا حول نتائج جولة "بنس" الشرق أوسطية، أو مردودها على الأقباط بحل مشاكلهم العالقة والمتراكمة منذ سنينٍ عدة.

 

فهل ستُلقي زيارة "بنس" حجراً في مياه حقوق الأقباط المصرية الراكدة؟ أم ستكون كمثيلاتها من زيارات المسؤولين الأمريكيين السابقين؟ هذا ما ستُجيب عنه الأيام القادمة، وإن كنا نأمل أن تُحرك الزيارة مياهاً أصابها العفن جرّاء تخاذل وتواطؤ.

  • ناشط حقوقي مصري يراسل "اليوم الثالث"