لا يمكن لأي مراقب سياسي أن يمرّ مرور الكرام على دلالات الأزمة التي مرّ بها لبنان إبَّان الأسبوعين الأخيرين.

 

الضربة السعوديَّة: المخطّط المُربَك

في الرابع من تشرين الثاني ظهر الرئيس سعد الحريري من على شاشة "العربيَّة"، معلنًا استقالة مفاجئة ومهاجمًا كل من إيران وحزب الله متهّمًا إيَّهما بالإرهاب وممتوعّدًا بقطع إيديهما في المنطقة. كانت الخطوة الأولى من التصعيد السعودي فرض الاستقالة على الرئيس الحريري ببيان عالي النبرة تجاه حزب الله وإيران بما يعنيه من إدخال علني للبنان على خط التوتر السعودي – الإيراني، وضرب للتسوية التي حصلت في صيف العام 2016. كانت المملكة السعوديَّة تريد القول بهذه الاستقالة أنّ الامر لها في لبنان، وأنَّها هي من يحدّد متى تنتهي التسوية اللبنانيَّة، وأنَّ لبنان لا يزال ورقة بيدها تلعبها على المستوى الإقليمي بوجه إيران. كانت الخطوة الثانية التصريحات أو التغريدات التي كانت يطلقها الوزير ثامر السبهان التصعيديَّة بوجه لبنان والتي وصلت إلى حدّ إعلان الحرب على حكومة لبنان وتحميل حزب الله مسؤوليَّة إطلاق الصاروخ البالستي من اليمن باتجاه مطار الرياض. ويبدو أنَّ الوزير السبهان كان واثقًا من المسار التصاعدي بوجه لبنان حين أعلن أن ما بعد استقالة الحريري ليس كما قبله. في هذا الوقت كان الحريري شبه منقطع عن أيّ اتصال مع الخارج وحتَّى مع عائلته الموجودة في بيروت، بحيث خرج الكثيرون ليقولوا بأنَّ الحريري قيد الإقامة الجبريَّة في السعوديَّة.

طبعًا، لقد شاب هذه الإقامة كلام كثير عن تلازم استقالة الحريري مع ما يحصل في السعودية ممَّا يسمّى "حملة مكافحة الفساد". فمن الواضح أنَّ المملكة تمرّ حاليًّا في مخاض عسير من التحوّل السياسي والذي يحاول فيه ولي العهد محمد بن سلمان أنْ يتسلّم كلَّ مفاصل السلطة والقوّة في المملكة. وهذه الحملة ضدّ الفساد – وربما على أحقيّتها – تأتي في استمرار ما سمّي بالانقلاب الداخلي في السعودية والذي بدأ السنة الفائتة عند إزاحة الأمير محمد بن نايف عن ولاية العهد واستبداله بالأمير محمد بن سلمان. وهذا مسار ستتوضح ملامحه في الشهور وربما السنين القادمة.

 

الضغط السعودي والأصوات اللبنانية المؤيدة

الخطوة الثالثة تمثّلت في الأصوات اللبنانيَّة التي خرجت في لبنان تطالب رئيس الجمهوريَّة بضرورة تقبّل استقالة الحريري وإجراء مشاورات جديدة لتكليف رئيس جديد للحكومة. كما خرجت أصوات أخرى تقول بأنَّ استقالة الحريري طبيعيَّة، ذلك أنَّه احتمل ما لا يُحتمل من حزب الله. وهم بهذا كانوا يريدون إعادة التصويب على حزب الله ودوره الإقليمي بما يعيد البلد إلى مرحلة ما قبل التسوية الرئاسيَّة. كما أنَّ البعض خرج للقول بأنَّ تلك التسوية التي تكرّس الوصاية الإيرانيَّة على لبنان انتهت باستقالة الحريري. تزامنت هذه الأصوات اللبنانيَّة مع فتح بعض القنوات اللبنانيَّة هوائها لإعلاميّين سعوديّين، لم يكتفوا باتهام حزب الله بالإرهاب بل ذهبوا إلى حدّ اتهام أركان الدولة في لبنان وعلى رأسهم الرئيس العماد ميشال عون والرئيس نبيه برّي علنًا بالإرهاب. كان هؤلاء يؤكّدون تصريح السبهان بأنّ السعوديّة تعامل الدولة اللبنانية ككلّ وليس فقط الحكومة وحزب الله على أساس أنّها إرهابيَّة.

الخطوة الرابعة كانت في التهديدات التي تلقاها لبنان بإمكانيَّة شنّ حرب عليه من قبل إسرائيل وبغطاء دولي إقليمي على غرار ما حصل في العام 2006. طبعًا هذه الخطوة على خطورتها تزامنت مع تهديدات بعقوبات اقتصاديَّة على لبنان تمثّلت أولًا في الطلب من الرعايا السعوديّين والإماراتيّين بمغادرة لبنان فورًا، وبطرح الفكرة القديمة-الجديدة بترحيل اللبنانيّين العاملين في منطقة الخليج العربي.

الخطوة الخامسة في مسار التصعيد السعودي ضد لبنان كان في طرح إسم بهاء الحريري كبديل عن سعد الحريري في زعامة الطائفة السنيَّة في لبنان. وقد ترافق الأمر مع استدعاء العائلة الحريريَّة إلى المملكة لمبايعة الشقيق الأكبر، غير أنَّ العائلة لم تتجاوب مع هذا الطلب.

الخطوة السادسة كانت في دعوة البطريرك الماروني مار بشارة الراعي إلى السعودية وهي بذلك كانت تريد إيصال رسالة للمسيحيّين اللبنانيّين، خاصَّة الموارنة منهم، بأنّه يمكن للسعوديَّة – قائدة الاسلام المعتدل - أنْ تكون راعية وحامية لهم شرط أنْ يسحبوا غطاءهم – الممثل بالرئيس عون – عن حزب الله الذي هو، عند السعوديّين، ليس إلا ذراعًا عسكريَّة إيرانيَّة موجَّهة ضد العرب. وقد كان لتسريب خبر ترميم الكنيسة الألفيَّة في السعوديَّة رسالة للمسيحيّين بأنَّ السعودية مستعدة للانفتاح عليهم بشرط التخلي عن حزب الله. وعلى الرغم من أنَّه تبيّن أنَّ لا كنيسة ولا هديَّة للبطريرك الراعي، إلَّا أنَّ الرسالة السعوديَّة كانت واضحة بمحاولة بثّ الشرخ بين المسيحيّين والشيعة في لبنان بهدف إضعاف الرئيس عون وحزب الله على السواء.

 الخطوة السابعة تمثّلت في محاولة المملكة السعوديَّة تعميم اتهام الدولة البنانيَّة والحكومة اللبنانيَّة – وليس فقط حزب الله – بالإرهاب عربيًّا من خلال اجتماع وزراء الخارجيَّة العرب، وحتَّى أنَّه طرح فكرة أنْ يتمّ تعليق عضويَّة لبنان في جامعة الدول العربيَّة على غرار ما حصل مع الجمهورية العربيَّة السوريَّة.

 

" اللبنانيون أكثر ذكاءً"

        في مقالة له في الإندبندنت، قال الصحافي روبرت فيسك بما معناه: أنَّه يمكن للسعوديين أنْ يكونوا أكثر ثراءً من اللبنانيّين، لكن هؤلاء هم أكثر ذكاءً بكثير من السعوديين. قد تكون هذه المقولة هي خير تعبير عن الموقف اللبناني الرسمي والشعبي بمواجهة الضربة السعوديَّة.

رسميًّا جاءت إدارة الرئيس ميشال عون لهذه الأزمة هادئة صامتة بخلاف طريقته المعهودة برفع الصوت ورفع التحدي. فمنذ البداية حسم الرئيس عون بالتوافق مع الرئيس نبيه برّي وحزب الله الموقف من الاستقالة: استقالة الحريري ليست نافذة إلَّا عند قيام الأخير بكلّ الإجراءات الدستورية اللازمة بما يتوافق والدستور والأعراف اللبنانيَّة، بما يتطلّبه الأمر من عودة الحريري إلى بيروت وتقديمه الإستقالة شخصًّا إلى رئيس الجمهوريَّة في قصر بعبدا. هذا في ظاهر الموقف، أمَّا في مضمونه، فقد كان رسالة ضمنية من الحكم اللبناني للرئيس الحريري بأنّنا، ورغم السقف العالي لبيان الاستقالة، لا زلنا متمسّكين بك رئيسًا لحكومة لبنان إلى أنْ تعلن استقالتك من لبنان حيث تكون حرَّ القرار والحركة.

السيّد حسن نصرالله لم يتأخَّر في التأكيد على هذا الموقف الرسمي متعمّدًا في خطابَين الهدوء معتبرًا الحريري رئيسًا لحكومة لبنان حتَّى يعود هذا الأخير وبعلن استقالته من بلده. طبعًا ترافق هذا الموقف الرسمي مع حملة دبلوماسيَّة لبنانيَّة قادها الوزير جبران باسيل في عواصم القرار تشرح الموقف اللبناني وتنسج خط دفاع عن لبنان بوجه أي مغامرة عسكريَّة قد تقوم بها إسرائيل بدفع سعودي وغطاء دولي.

 

التأييد الدولي للبنان

سرعان ما تبدّت المواقف الدوليَّة داعمة للموقف الرسمي اللبناني. ثم ما لبثت هذه المواقف الدوليَّة أن تحوّلت تساؤلًا حول حقيقة ما يجري مع الرئيس الحريري في السعوديَّة، لتتحوّل بأيام إلى متيقّنة من أنَّ الحريري قيد الإقامة الجبريَّة في السعوديَّة وأنه أكره على تقديم الاستقالة. هنا خرجت المواقف الأميركية (وزارة الخارجية والبيت الأبيض) الأوروبيَّة (الاتحاد الأوروبي) والفرنسيَّة والبريطانيَّة والألمانيَّة والإيطاليَّة لتقول بأنَّ استقرار لبنان الأمني والاقتصادي هما أولويَّة دوليَّة، ومن ثم للتأكيد بأنَّ الحريري شريك موثوق لهذه العواصم. بهذا تمّ قطع الطريق دوليًّا أولًا: على حرب ضد لبنان؛ ثانيًا: على حصار لبنان اقتصاديًّا؛ ثالثًا على استبدال الحريري بسني آخر (بهاء الحريري) بما يعيد خربطة التسوية السياسيَّة اللبنانيَّة. بناء على هذا الدعم الدولي، وعلى تأكيدات من عائلة الحريري نفسها بأنَّ الحريري مقيَّد الحركة، لم يتردّد الرئيس عون بتصعيد لهجته ضد المملكة. مظهّرًا الأمر وكأنَّه جزءًا من الكرامة والسيادة الوطنيَّين، رفع الرئيس عون صوته بوجه المملكة متهّمًا إيَّاها جهارًا باحتجاز الرئيس الحريري وبتقييد حريَّته وإكراهه على الاستقالة. وقد تجلّى هذا الاتهام بوضوح قبل مقابلة الرئيس الحريري على تلفزيون المستقبل إذ قال الرئيس عون أنه لا يعتدّ بما سيقوله الحريري لأنَّ كلّ ما سيقال في المقابلة سيكون تحت الضغط والإكراه. السيّد نصرالله أيضًا لم يتردّد في اتهام المملكة السعوديَّة باحتجاز الرئيس الحريري.

 

الصدمة السُنية والردّ الحازم

ترافق هذا التمسّك الرسمي بالرئيس الحريري، وتحويل قضية إقامته الجبرية إلى قضية وطنيَّة، مع صدمة صاعقة للطائفة السنيَّة ولاسيّما لتيار المستقبل ولعائلة الحريري. فقد بدا واضحًا لدى هؤلاء أنَّ ما تقوم به المملكة بحق الرئيس سعد الحريري يتعدّى إضعافه ليصل إلى حدّ إذلاله وإذلال العائلة وإذلال التيار الأزرق وصولًا لإذلال الطائفة السنيَّة. وكأنَّ بتيار المستقبل والطائفة السنيَّة يسترجعون فجأة ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. بالنسبة لهم، ما حصل من قبل المملكة مع الرئيس الحريري ليس إلَّا اغتيالًا سياسيًّا متلازمًا مع إذلال واضح للرمز السياسي والوجداني للطائفة السنيَّة في لبنان. وعليه أتى ردّ التيار الأزرق على المملكة صادمًا: لن نقبل إلَّا بعودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان، ولن نرضى بمبايعة أحد غيره. وقد تكون كلمة الوزير نهاد المشنوق من على باب دار الفتوى – بكلّ ما تعنيه هذه الصورة – الأكثر تعبيرًا عن الثورة الزرقاء بوجه المملكة التي تشابهت مع الثورة السنيّة في العام 2005 بوجه العيمنة السورية على لبنان: "نحن لسنا قطيع غنم ولا قطعة أرض تنتقل ملكيتها من شخص لآخر... في لبنان تحصل الأمور بالانتخابات وليس بالمبايعات".

 

إنَّ الموقف الرسمي اللبناني مدعّمًا بغطاء دولي معزّزًا بموقف من التيار الأزرق المصرّ على عودة الحريري، استطاع أنْ يخلق أرضيَّة صلبة لحالة شعبيَّة لبنانيَّة ليس فقط متعاطفة مع الرئيس سعد الحريري بل ومستاءة من طريقة التعامل السعوديَّة مع لبنان، وبدت واضحة الوحدة الوطنيَّة اللبنانيَّة. هنا حاول معاونو المملكة في لبنان أنْ يقوموا ببعض الأنشطة الشعبيَّة لمحاولة إظهار شرخ في صفوف السُنَّة في لبنان وفي صفوف اللنبانيّين بشكل عام. وقد تجلّى ذلك في محاولة رفع صور الأمير محمد بن سلمان في طرابلس وتنظيم مظاهرات في بيروت من قبل مناصري النائب دوري شمعون واللواء المتقاعد أشرف ريفي. غير أنَّ هذه المساعي باءت بالفشل، إذ تحوّلت المظاهرات إلى مهزلة بطلها شاب إسمه "هارون"، ولم يكن لصور الأمير سلمان مصير إلا الحرق أو الإزالة. بهذا فرض الموقف الشعبي اللبناني موقفًا موحّدًا خلف الدولة اللبنانية في خطابها.

 

المعركة الدبلوماسية بقيادة وزارة الخارجية

أيضًا على المستوى الرسمي، لم تكتف وزارة الخارجيَّة اللبنانيَّة بخوض معركة دبلوماسيَّة دوليَّة لتعزيز الدعم للبنان. وقد تجلّى هذا الدعم والتعاطف الدولي في الموقف الألماني الذي اتهمّ – على لسان وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل – المملكة بروح المغامرة التي لم تعد مقبولة.

إضافة إلى المعركة ذات البُعد الدولي، خاضت الوزارة معركة دبلوماسيَّة عربيَّة لتعديل بيان اجتماع وزراء الخارجية العرب خاصَّة الفقرات التي تتَّهم فيها الحكومة اللبنانيَّة بالإرهاب. وقد نجحت الدبلوماسيَّة اللبنانيَّة بمنع تعميم صفة الإرهاب عربيًّا على الحكومة اللبنانيَّة الحاليَّة، هذه الحكومة التي أعلنت المملكة الحرب عليها بتغريدة من السبهان. بهذا يكون الموقف اللبناني الرسمي والشعبي قد اكتمل بوجه محاولة الانقلاب السعوديَّة في لبنان ليس فقط على الحريري بل على التسوية وعلى الدولة وعلى المستقبل اللبناني.

  • أستاذ جامعي في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث".