الحريري والسُنَّة نحو المزيد من اللبننة 

كان لافتًا موقف الطائفة السنيَّة مما حصل مع الرئيس سعد الحريري. هذا الأخير كان يُصوَّر وكأنَّه زعيم سُني ضعيف خاضع لإرادة الرئيس الماروني القوي ومكرّس لنفوذ حزب الله المتعاظم وللوصاية الإيرانيَّة ليس فقط في لبنان بل في كلّ ساحات الصراع الإيراني-السعودي من اليمن إلى سوريا. حتّى أنَّ البعض كان يقول بأنّ الرئيس الحريري يسعى جاهدًا لتأجيل الانتخابات مرارًا خوفًا من الخسارة. وبالتالي ما حصل مع الرئيس الحريري خلال الأسبوعَين المنصرمَين يمكن أنْ يُقرأ من زاويتَين مختلفتَين:

إمَّا أنَّ الرئيس سعد الحريري، بشخصه وبرمزيَّته، لا يزال حاضرًا وبقوَّة على الساحة السُنيَّة في لبنان، وإمَّا أنَّ ما قامت به المملكة بحقّه أدى لبلورة ردّة فعل كان لها من الأثر أنّها عادت للحريري ما كان قد خسره إبَّان السنوات الأخيرة من غيابه عن الساحة اللبنانيَّة. في الواقع، لم يكن يحلم الرئيس الحريري بهكذا خدمة أعادت من ناحية تثبيت حضوره الأوّل والقوي على الساحة السُنيَّة واللبنانيَّة، ومن ناحية ثانيَّة أعادت تكريسه زعيمًا ليس فقط سنيًّا بل لبنانيًّا. إنَّ صورة الحريري المسجون والمظلوم والمذلول من قبل المملكة السعوديَّة التي ارتسمت في وجدان السُنَّة واللبنانيّين أدّت لردّة فعل سُنيَّة ولبنانيَّة اعتبرت أنَّ كرامة السُنَّة وكرامة التيار الأزرق وكرامة كلّ لبنان باتت من كرامة الرئيس سعد الحريري. فالمملكة التي أرادت القضاء سياسيًّا على الرئيس الحريري أدّت بسياستها إلى نتائج عكسيَّة تمامًا لم يكن الرئيس الحريري يحلم بها. أكثر من هذا، لقد كرّست محاولة الانقلاب السعوديَّة على الحريري هامش الحريَّة الذي تصرّف على أساسه الحريري عند تبنّيه لترشّح العماد عون لرئاسة الجمهوريَّة. قد يكون من المبكر الكلام الآن عن استقلال تامّ للحريري عن المملكة السعوديَّة، ولكن من المؤكّد أنَّ الحريري وسَّع، بعد تحريره من إقامته الجبريَّة في السعودية، هامش حريَّته وبات أقرب إلى المصلحة والهمّ اللبنانيّين من أيّ شيء أخر. إنَّ الاستقبال الشعبي الذي حظي به الحريري يوم عيد الاستقلال كان خير دليل على هذا الأمر. ولعلّ كلمة الحريري التي ألقاها باللغة العاميَّة اللبنانيَّة – بشكل مقصود – أبرز دليل على تحوّل الحريري الحاسم من الولاء السعودي إلى الولاء اللبناني. فالبارحة قالها سعد بالحريري بالفم الملآن: "أنتم الأهل الحقيقيّين. [...] هذه لحظة الصدق. [...] هيدي لحظة للتاريخ وللجغرافيا ويللي عندو عيون خللي يشوف"، ليُكمل "ما عنَّا أغلى من بلدنا، وما عنَّا إلَّا بلدنا". هذه ليست كلامات صادرة من القلب فحسب بل رسالة داخليَّة وخارجيَّة مفادها: بين لبنانيّتي وسعوديّتي اختار الآن لبنانيّتي. لأنَّ اللبنانيّين كما بدا من هذه الأزمة هم أهلي الحقيقيَين الذين أبدوا لي الوفاء في حين أنَّ المملكة عاملتني بغير الوفاء والصدق والحق.،

       

حتَّى رسميًّا، لقد كان بيان التريّث الذي قال به الرئيس الحريري من قصر بعبدا لافتًا في الشكل والمضمون، إذ صرّح: "من هنا، من رئاسة الجمهورية، أتوجَّه بتحيَّة تقدير وامتنان إلى جميع اللبنانيّين الذين غمروني بمحبّتهم وصدق عاطفتهم"، وليكمل "عرضت استقالتي على فخامة الرئيس وقد تمنَّى عليّ التريّث في تقديمها والاحتفاظ بها [...] فأبديت تجاوبي". بهذه الكلمات أعلن الرئيس الحريري، أقله بالشكل، انتصار لبنان على السعوديَّة في هذه الأزمة. فبين استقالة مكروه عليها، وبين تمنّي رئيس الجمهوريَّة، اختار الرئيس الحريري القرار اللبناني، وهذا، لعمري، ثورة هادئة اكتملت بالموقف الشعبي السُني من تأكيده على تمسّكه بالرئيس سعد الحريري زعيمًا سنيًّا ووطنيًّا بخلاف الإرادة السعوديّة.

       

إنَّ قراءة مقابلة الرئيس الحريري على شاشة المستقبل مساء الثاني عشر من تشرين الثاني كان أيضًا حمّال رسائل كثيرة. صحيح أنَّ الحريري بدا مُتعبًا ومُربكًا ومُتأثرًا بما أكدّ كلَّ ما قيل إعلاميًّا وسياسيًّا عن احتجازه وعائلته في المملكة، لكنّه أيضًا لم يكن بهذا المستسلم. فحين كان يتكلّم عن عودته إلى لبنان، وكان ذلك قبل دعوة الرئيس الفرنسي له – بعد وساطات دوليَّة – لزيارة فرنسا، قال الحريري التالي: "أريد أن أشكر كلّ لبناني من أيّ طرف سياسي كان، والذين يريدون عودة سعد الحريري، وسعد الحريري سيعود، [مضيفًا] حأتحدّى..." ليعيد صياغة كلامه ليكون أقلّ استفزازيَّة للمضيف السعودي. كان هذا التحدّي الصادر من لاوعي الحريري – وهو الذي حاول في كلّ مقابلته أنْ لا يستفزّ المملكة السعوديَّة – إشارة منه إلى أنَّه لن يقبل بالانقلاب عليه ولا بتنصيب أحد مكانه أكان في تيَّار المستقبل أو في رئاسة الحكومة. من هنا تشديده للسيِّدة بولا يعقوبيان على الثوابت التالية: "أنا رئيس الكتلة، وأنا رئيس التيار، وأنا رئيس الوزراء. [...] هو تيَّاري، تيَّار لبنان، تيَّار لبنان أوَّلًا". كان الحريري حينئذٍ وسط عاصفة تتقاذفها ريحَيْن: الريح السعوديَّة الساعية لاستبداله بأخيه والانقلاب على التسوية في لبنان، وريح لبنانيَّة-دوليَّة تحاول إخراجه من السعوديَّة. وقد غلبت، أقلَّه حتى الآن، الريح اللبنانيَّة-الدوليَّة والتي تجسّدت في دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحريري وعائلته لزيارة فرنسا، على أنْ يتوجّه بعدها إلى لبنان للمشاركة في احتفال عيد الاستقلال وليعلن من بعبدا عودته عن الاستقالة...

 

قوّة تسوية 2016: الميثاق الشفهي الجديد للبنان

        في دراسة حديثة لي بعنوان "تسوية ما بعد الطائف: استمرار سحر لبنان الكبير" والتي نُشرت من على منبر "اليوم الثالث" في تشرين الأول 2017، اعتبرتُ أنَّ مشاركة الرئيس سعد الحريري في التسوية الثلاثيَّة الأبعاد (التيَّار الوطني الحر – حزب الله – تيَّار المستقبل)، هي من الاهميَّة بمكان أنَّها تعادل تاريخيًّا قرار الرئيس الصلح بخوض مغامرة الميثاق الوطني عام 1943 وتجربة لبنان الكبير المستقلّ عن الشرق والغرب.

لقد كان واضحًا من مسار التصعيد السعودي ضدّ لبنان أنَّ المستهدف من هذا الانقلاب ليس فقط الرئيس الحريري بل أيضًا التسوية الرئاسيَّة، أو تسوية صيف 2016. غير أنَّ موقف الرئيس ميشال عون بالتضامن المطلق مع الرئيس الحريري والإصرار على إخراجه من السعوديَّة ودور الوزير جبران باسيل – الذي هو رئيس التيار الوطني الحرّ – الدبلوماسي دوليًّا وعربيًّا دعمًا للحريري وللتسوية، أتيا ليثبّتا التسوية لبنانيًّا وعربيًّا ودوليًّا. ومن الجدير ذكره أيضًا أنَّ مواقف حزب الله والرئيس نبيه برّي أتيا أيضًا لمصلحة تعزيز هذه التسوية التي يبدو أنَّ لا خطة بديلة لها إلَّا المواجهة الداخليَّة أو الشلل على غرار ما عاشة لبنان منذ شباط 2005. قد يكون هذا الموقف لكلٍّ من الرئيس عون وللوزير باسيل وللرئيس برّي وللسيد نصرالله بمثابة معموديَّة الدمّ بالنسبة لهذه التسوية التي تأكَّدت وترسَّخت. وقد جاء ردّ التحية من قبل الرئيس الحريري خلال مقابلته مع السيّدة يعقوبيان حين أعلن جهارًا أنه "فخور بالتسوية التي قام بها" وأنّه ليس بـ"متراجع عنها" بل "يريد المحافظة عليها" مع تشديده على ضرورة تعزيز مبدأ "النأي بالنفس" بما يحمي لبنان عربيًّا ودوليًّا. ولم يترك الرئيس الحريري الفرصة تفوته ليعرب من السعوديَّة عن ثقته بالرئيس عون "كمتمسّك بالدستور" وباستقلال وازدهار لبنان، قبل أنْ يؤكد فخره بعلاقته به هو الرجل "المحبّ والصادق بكلّ شيء"، واعدًا اللبنانيّين بأنَّه سيعود إلى لبنان وسيجلس مع الرئيس عون بهدف إيجاد حلول: "انشالله منقعد مع بعض ومنحل الأمر".

 

إنَّ التحدّي الذي واجهته تسوية صيف 2016 لهي مشابهة للتحدّي الذي واجه تفاهم مار ميخايل بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله (الذي وقّع في شباط 2006) إبَّان حرب تموز 2006. فكما تضامَنَ العماد عون والتيار الوطني الحرّ، بما يمثّلان، مع حزب الله، كحركة مقاومة لبنانيَّة تقف بوجه الاعتداء الإسرائيلي على لبنان العام 2006، كذلك تضامنا مع الرئيس الحريري في محنته في السعودية وفي محاولة الانقلاب عليه في الداخل والخارج في العام 2017. وكما رسّخت وكرّست حرب 2006 تفاهم مار مخايل، كذلك رسّخت محاولة الانقلاب السعوديَّة تسوية صيف 2016.

 

الرئيس ميشال عون والغطاء الوطني والدور المسيحي

منذ شباط 2006 اعتُبر أنَّ العماد عون وتياره وشعبيته يشكّلون غطاءً مسيحيًّا لحزب الله في لبنان. واليوم بات يمكننا القول أنَّ الرئيس عون وتياره وشعبيته يشكّلون أيضًا غطاءً مسيحيًّا ووطنيًّا للرئيس الحريري والتيَّار الأزرق. وعليه، لقد نجح الرئيس عون في تحقيق ما كان يعلنه دومًا بأنَّ هدفه تشكيل غطاءً لكلّ اللبنانيّين. بتعبير آخر لقد استطاع الرئيس عون أنْ يكون التجسيد الواقعي لما يمكن للمسيحيّين أنْ يلعبوه من دور جامع في المرحلة الراهنة بين السُنَّة والشيعة في لبنان وفي المنطقة. إنَّ هذ الدور لهو من الخطورة والأهميَّة الاستراتيجيَّة بمكان أنَّه قد يُعيد للمسيحيّين دورهم السياسي والجيوستراتيجي في المنطقة. هذا الأمر سيعزّز بدوره قدرتهم على أنْ يقوموا أيضًا بدور الحكم واللاعب الوسيط بين المسلمين والغرب، وبالتالي تعزيز الحوار الإنساني-الإنساني بين الشرق والغرب.

 

لبنان يحمي وليس الخارج

بقي الرئيس سعد الحريري حوالي الست سنوات خارج لبنان (2010-2016) ولم يطالب أحد بعودته. وها هو بعد أنْ قال للبنانيّين أنَّه قابل بالتسوية وبالتفاهم مع ممثّلي الطوائف الأخرى (بالتحديد مع حزب الله ومع التيَّار الوطني الحرّ) تحوّل بطلاً وطنياً لبنانياً – بعد معاملته سعوديًّا بهذه الطريقة – يطالب به جميع اللبنانيّون الذين توحّدوا على هذا المطلب بوجه المملكة العربيَّة السعوديَّة بكلّ ما تمثّله في المنطقة من قوّة إقليميَّة ونفطيَّة ومن رمزيَّة دينيَّة إسلاميَّة ومرجعيَّة سنيَّة. كم هذا لافت ومعبّر!

إنَّ الرئيس الحريري يدرك تمامًا في عمق أعماقه أنَّ من حماه في محنته الأخيرة لم تكن جنسيَّته السعوديَّة ولا امبراطوريَّته الماليَّة، بل التعاطف الشعبي والرسمي اللبناني معه،.هذا التعاطف الذي تجسّد في موقف الدولة اللبنانيَّة التي قامت، أوَّلًا بخلق الأرضيَّة الصالحة لالتفاف اللبنانيّين حول قضيّة الحريري، وثانيًا عبر تجيير صداقات لبنان الدوليَّة لإخراجه من المملكة ليعود إلى لبنان من جديد رئيسًا للحكومة بعد أنْ استقال مكرهًا من الرياض. وهو يدرك أيضًا ولا شكّ أنَّ هذه التسوية التي قَبِلَ أنْ يغامر برصيده الشعبي والسياسي من أجلها هي التي شكَّلت خطّ الدفاع الثاني – بعد الموقف الرسمي والشعبي – لحمايته من مصير مجهول في المملكة العربيَّة السعوديَّة.

       

النموذج اللبناني والميثاقية

نعم، لبنان ليس بتجربة فاشلة، عبارة قالها لي يومًا في معرض الندوة اللبنانيَّة أحد أرباب العروبة: إنَّه منح الصلح. نعم، هناك وطنيَّة لبنانيَّة برزت واضحة في الأسبوعَين المنصرمَين كانت عاملًا حاسمًا في تفوّق لبنان على المملكة السعوديَّة وفي تحويل الانقلاب السعودي إلى فرصة لتعزيز التسوية اللبنانيَّة. نعم، هناك قوّة للبنان – متجسّدة، أولًا في نموذجه، وثانيًا في ثنائيَّة دستوره وميثاقه، وثالثًا في تجاربه المرّة والحلوة – إذا عرف لبنان كيفيَّة استعمالها لاستطاع ليس فقط أنْ يحمي نفسه من الجنون الإقليمي والدولي، بل أنْ يكون لاعبًا فاعلًا في محيطه وعلى المستوى العالمي في نشر قيم الوطنيَّة والحريَّة والإنسانيَّة والتنوّع والحوار والجمال.

تبقى هناك مسؤوليَّة أخرى على الأفرقاء اللبنانيّين بأنْ يستخلصوا، على غرار ما حصل مع الحريري، العبر من درس تشرين الثاني: ما إلنا إلا لبنان. فليتواضع الجميع وليعودوا إلى لبنان. ليس المطلوب أن نتخلّى عن علاقاتنا مع إيران أو مع المملكة السعوديَّة او الدول العربيَّة أو الدول الاوروبية والدول الصديقة الأخرى، بل علينا أن نعي أنَّه مهما تطوّرت هذه العلاقات فإنَّ مرجعنا الاهمّ والأغلى والأضمن هو بلدنا لبنان.

فهل هناك من سيعتبر غير الحريري؟

  • أستاذ جامعي في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث".