الجزء الثاني من دراسة الدكتور أمين الياس عن الشخصية المارونية، وفيه قراءة لرؤية الموارنة للبنان المستقبل.

 تحقيق حلم لبنان الكبير

إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفوز الحلفاء فيها سنة 1918، انعقد في باريس مؤتمر للسلام سنة 1919. متسلِّحًا بمبدأ "حق تقرير المصير" الويلسوني، انطلق البطريرك الماروني الياس الحويك في 15 تموز 1919 من جونيه إلى باريس للمطالبة "باستقلال لبنان". بوصفه ممثلاً لمجلس الإدارة في جبل لبنان، وكذلك لسكان المدن والقرى اللبنانية المطالبة بالانضمام إلى لبنان، قام الحويك بعرض مذكَّرة تتضمَّن مطالب وأماني اللبنانيّين.

        إنَّ هذه المذكرة، التي يعتبرها العديد من الباحثين السياسيين في لبنان من أهمّ الوثائق في تاريخ لبنان السياسي، وأنَّها "الإعلان الإيديولوجي" لدولة لبنان الكبير، تتمحْور حول نقاط أساسية ثلاث: المطالبة باستقلال لبنان، إعادة لبنان إلى حدوده التاريخية والطبيعية، المطالبة بأنْ تكون فرنسا هي الدولة المنتدبَة. إلى هذا، فإن هذه المذكَّرة تتضمَّن العديد من التعابير مثل: "الكيان القومي"، "الأسلاف الفينيقيين"، "العادات"، "الثقافة الفرنسية، الأوروبية والغربية"، "اللغات الليتورجية"، "الحكم الذاتي، النظام الأساسي، النظام التمثيلي"، "التطور الثقافي والسياسي"، كلّ هذه التعابير لتأكيد "استقلال لبنان التام عن كلّ دولة العربية قد تنشأ في سوريا".

        تعتبر هذه المذكَّرة أنَّ اللبنانيّين هم أبناء الفينيقيّين، وقد شكَّلوا دومًا كيانًا قوميًّا متمايزًا عن الجماعات المجاورة، وهذا التمايز يتجسد في اللغات الليتورجية والعادات والصلات والارتباط بالثقافة الغربية وتطلعات اللبنانيّين. فلبنان، بحسب هذه المذكرة، حافظ تاريخيًّا وسْط العرب والأتراك على استقلاله الكامل، وهذا مثبت في النظام الأساسي سنة 1861. كما أنَّ هذا الاستقلال يتميّز بأنَّه عرف العديد من المؤسسات السياسية التمثيلية والبرلمانية، بخلاف سوريا التي لم تعرف أبدًا أي شكل من أشكال التنظيم السياسي، فهي كغيرها من الولايات العثمانية كانت غريبة عن كل ما يكوّن الحياة السياسية لبلد ما. ولا يتوقف الحويك في مذكرته عند الاعتبارات التاريخية والسياسية، ذلك أنَّ الاعتبارات الثقافية تحتلّ حيِّزًا أساسيًّا في تأكيد الاستقلال اللبناني، وتمايز لبنان عن محيطه العربي، ففي حين نجد أن الثقافة الغربيَّة تكاد لا تجد مكانًا لها في سورية، نرى أنَّ لبنان يشكل الملاذ الأساسي لهذه الثقافة في الشرق. إنَّ هذه المذكَّرة تعكس وبعمق الشخصيَّة المارونيَّة بكامل آمالها وتصوراتها. من هنا اعتبار الموارنة إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920 وكأنَّه تحقيق لحلمهم ونتيجة لمسيرتهم التاريخية الطويلة.

        تحديات العيش المشترك مع المسلمين

إنَّ صراع الموارنة للحصول على استقلالهم عن الدولة العربية في سوريا رافقه، وبشكل مواز، سعي وبحث حثيثَيْن للعيش مع المسلمين. طبعًا، كان همّ الموارنة الأساسي إقامة دولة للموارنة والمحافظة على الامتيازات التي حصلوا عليها بتأسيس دولة لبنان الكبير، رافضين العودة لهيمنة الدولة الإسلامية تحت أي شكل من الأشكال. ولكن بالرغم من ذلك لم يتردَّد الموارنة سنة 1943 من الاتفاق مع المسلمين على ما عُرف فيما بعد بالميثاق الوطني. هذا الميثاق الذي جاء نتيحة تبلْور تيار وسطي بدأ بالتكون عام 1936 وكان على رأسه يوسف السودا والعديد من الشخصيات المسلمة ككاظم الصلح. ولا ضير من التذكير أنَّ الميثاق الوطني الأساس تمّ وضعه في العام 1938 في منزل السودا. هذا الميثاق إذا ما قورن بميثاق العام 1943 لوجدنا أنَّ هذا الأخير هو نسخة منقَّحة عن الذي سبقه. وبالتالي إنَّ كلّ من بشارة الخوري ورياض الصلح لم يقوما إلا بتتويج سياسي لما كان قد اختمر ثقافيًّا واجتماعيًّا ما بين المسيحيين والمسلمين منذ العام 1936.

        فالموارنة "لم يسعوا إلى إقامة دولة مسيحية". ذلك انهم كانوا قد بدأوا بالتأثر بالأعمال الفلسفية الغربية، لا سيما مؤلفات جاك ماريتان وإيمانويل مونييه الفرنسيين، القائلة بأنَّ "مسيحية القرون الوسطى باتت من زمن مضى"، وبأنَّه بات من الضروري "الدفع باتجاه المجتمعات التعدّدية المتنوّعة".

        من هنا يمكننا فهم تمجيد اللبنانيين عامة والموارنة خاصة، للثقافة الميثاقية منذ العام 1943 وحتى 1969، عندما بدأت الدولة اللبنانية بالتفكّك. وهنا علينا مراجعة النشاط الثقافي لتلك المرحلة، والتي جسَّدت الندوة اللبنانية أبهى وجوهها، لتلمس مدى أهمية هذا التيار الميثاقي.

       

التمسك الماروني بخيار الدولة المدنية

إذًا لقد أظهر الموارنة مَيْلهم وقدرتهم للعيش في مجتمع متعدّد ومتنوّع. وهذا ما أعاد التأكيد عليه المجمع البطريركي الماروني الذي اختتم اعماله سنة 2006. ذلك أنَّ أبرز مقررات هذا المجمع كان المطالبة بـ"الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة" حيث يتمّ فيها التمييز الصريح إلى حد الفصل ما بين السياسة والدين. إن هذا الأمر يظهر لنا كيف استطاع الموارنة من الانتقال من طائفة-أمّة يرأسها بطريرك كزعيم ديني وزمني، حتى قيل أنَّ المارونية "دين ودولة"، إلى طائفة تطالب بدولة مدنيَّة ديمقراطيَّة حديثة تفصل بين الدين والسياسة.

        وقد ترافق هذا التطور المهمّ مع إصدار الفاتيكان نصًّا شديد الاهمية، هو وثيقة العمل التحضيرية من اجل السيونودوس الخاص بمسيحيي الشرق الأوسط الذي عقد ما بين 10 و24 تشرين الأول 2011. وقد حضّ الآباء المجمعيون كاثوليكيّي الشرق الأوسط "للعمل (بالتعاون مع المسيحيين الآخرين والمسلمين المفكرين والمصلحين) من أجل تقديم أفضل مساهمة في تعميق مفهوم الدولة العلمانية الإيجابية" (البند 25). وقد قرنت هذه الوثيقة مفهوم الدولة العلمانية بمفهوم آخر شديد الأهمية وهو "حرية الضمير" التي تنص على حرية الشخص في أن يؤمن أو لا يؤمن، أن يمارس ديانته سراً أو علناً بدون أية عقبة، وبالتالي حرية تغيير الديانة.

 

فشل المسلمين في الفصل بين الدين والدولة   

بالمقابل، لم يتمكن المسلمون عامة، ومسلمو لبنان خاصة، حتى يومنا هذا من تطوير مفهوم جديد للعلاقات ما بين الدين والدولة والخروج من مقولة أنَّ الإسلام دين ودولة. صحيح أنه جرت العديد من المحاولات قادها أو شارك فيها مثقفون مسلمون، منفردون أو ضمن أحزاب علمانية من اجل إقامة دولة علمانية، غير أنَّ معظم المؤسسات والشخصيات التي تتكلَّم بإسم الإسلام تشدِّد في كل مناسبة على أنَّ "الإسلام دين ودولة، عقيدة ونظام"، وأنَّ الحل النهائي لا يمكن أنْ يكون إلا "الدولة الدينية الإسلامية" كما يبشرنا العلماء السنة، او تحويل "لبنان جزءًا من الجمهورية الإسلامية الكبرى بقيادة ولي الفقيه كما يبشرنا" بعض العلماء الشيعة.

       

ثبات العيش الواحد وسقوط المشاريع الإقصائية

إنَّ التجربة اللبنانية منذ العام 1920، حتى يومنا هذا أثبتت أنَّ لا إمكانيَّة لدوام لبنان واستقراره وتقدّمه وصيانة العيش المشترك، إلا ضمن المعادلة الميثاقية القائمة على مبدأ العيش المشترك. وكل اقتراح لحلّ آخر، أكان من اجل إقامة كانتونًا مسيحيًّا، أو من أجل إقامة نظام إسلامي (أكان آتيًا مدجَّجًا بالأموال من الصحراء العربيَّة ولو بإسم الاعتدال العربي، أو آتيًا من بلاد الثورة الإسلامية الخمينية) لم ولن يتمكن من وضع لبنان في طريق المستقبل والحداثة وأنْ يجعل من لبنان وطنًا للكلمة وللفكر وللإنسان. فكلّ ما يمكن للحلّ الديني أنْ يقدّمه لهذا الوطن-الفكرة هو مشروع صراع شرائع وثقافات وحضارات، واستعباد الإنسان بإسم الخوف والشريعة والله.

هنا، وفي وسط هذا الضباب السياسي الذي يعيشه لبنان بسبب فشل وهرم الرؤية السياسية المارونية، وتخبط وتخلّف وعنف الرؤى السياسية الأخرى سنية كانت أم شيعية، يظهر في الأفق مشروعًا واعدًا يمكنه أنْ يقدّم حلاً وزخمًا جديدين لإنطلاقة لبنان الجديدة وصيانة العيش المشترك في إطار احترام كافة الحريات وبكل أشكالها. هذا المشروع هو مشروع "الدولة العلمانية"، وهو الوحيد القادر على احتضان الجميع، مهما تنوَّعت انتماءاتهم وتصوراتهم وضمائرهم. علمانيَّة يكون مبدأها الأساسي والإيجابي هو "الأمة اللبنانية"، وهدفها تركيز دعائم العيش المشترك في لبنان على قاعدتين أساسيتين:

تتمثل الأولى في احترام الدولة للمساواة المعنوية والأخلاقية والقانونية بين أفراد الأمة، وتتمثل الثانية في حماية حرية الضمير، التي لا تنحصر فقط بالبعد الديني أي بحرية المرء في أن يؤمن أو لا يؤمن وفي أن يغير إيمانه ودينه بحسب ضميره واقتناعه، بل إنها تتعدى هذا الأمر لتشمل حرية الإنسان على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والفلسفية والفكرية، ما سيفتح المجال لكل إنسان في البحث عن الحقيقة – بكل أبعادها – بكل حرية دون أية قيود أو عقبات دينية أو شرعية أو فلسفية أو اجتماعية.

       

أين المشروع الماروني الجامع؟

إن أعظم ما يمكن ان يقدمه الموارنة للبنان اليوم، بعد أنْ كانوا هم سبب تكونّه، هو تكوينهم لمشروع جامع وطني. فالمشروع الطائفي لن يستقدم إلا أبناء الطائفة، أما المشروع الجامع، حيث يشعر فيه كل لبناني أنَّ له رسالة ودورًا ووظيفة لا يمكنه إلا أنْ يكون عابرًا للطوائف، وهذا تمامًا ما يتناسب والحالة اللبنانية، وما تحققه العلمانية. لا بل إنَّ هذا المشروع، وبحال نضوجه، يمكنه أنْ يشكل ليس فقط حلاً للدول العربية التي تشهد انقلابات سياسية واجتماعية ضخمة وانحلال وجودي، بل أيضًا جسرًا جديدًا نعبُر بواسطته إلى الحداثة وإلى الغرب، من ناحية، ويمكنه أن يكون جسرًا نحو مستقبل مشترك حضاري مع الدول العربية الأخرى من ناحية أخرى.      

هل سيعي الموارنة أنَّ المرحلة الأولى من نضالهم قد انتهت، بعد أنْ نجحوا بتحويل فكرة لبنان واقعًا وحقيقة، وبعد أنْ نجحوا باستمالة كل الطوائف إلى هذا الكيان، فكان لكل منها دورًا أساسيًّا يعادل دورهم في ترسيخه بدءًا من الطائفة الدرزية وصولاً إلى الطائفة الشيعية مرورًا بالسنية والأروثوذكسية والكاثوليكية والطوائف الأخرى. إنَّ المرحلة الآن تقتضي تطوير شكل هذا الكيان بما يناسب العصر والحداثة، وبما يؤمن ديمومته سيدًا حرًّا عزيزًا بين الأمم، وما يؤهّله للعب دور على مستوى المنطقة العربية والعالم، دور جامع وحضاري. وهذا ما يحتّم على كل اللبنانيّين بما فيهم الموارنة أنْ يعملوا باتجاه إقامة الدولة العلمانية أو المدنيَّة – سمّوها ما شئتم –، هذا الممكن الجديد، المشروع الوحيد الضامن لهذه الديمومة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث"