يعيد "اليوم الثالث" نشر مقال لمدير "معهد الدراسات المستقبلية" إيلي شلهوب نشره في صحيفة "الإتحاد" اللبنانية، في إطار النقاش اللبناني الحاد الذي حصل قبل أسابيع حول شخصية الرئيس بشير الجميّل.

لافت جداً ما جرى خلال الأيام الماضية. بدا مشهد من ثمانينيات القرن الماضي. وكأن الزمن توقف في لحظة تاريخية ما. وكأن كل ما مرّ على لبنان والمنطقة منذ ذاك ليس سوى أحداث عابرة. المنطق نفسه والشعارات نفسها. والكل يرى الحقّ في صفّه. حتى في ظل وجود سرديّة مهيمنة، سرديّة من ربح الحرب الأهلية. أليس المنتصر من يكتب التاريخ؟

المعادلة، من وجهة نظر الطرف الأخير، بسيطة للغاية: العدو هو إسرائيل. تحالُف بشير الجميل معها، يجعله عميلاً. حبيب الشرتوني قتل العميل، فهذا يجعله بطلاً. وهي بلا شك معادلة أشبه بحقيقة علميّة، أخذا بالاعتبار القاعدة الإيديولوجية التي بنيت عليها: انتماء ما فوق كياني (انساني - أممي – قومي – إسلامي...) يرى أصل المشكلة في تلك "الغدة السرطانية" التي اغتصبت أرضاً عربية اسمها فلسطين، أمعنت في أهلها قتلاً وتهجيراً. احتلت أراض عربيّة، من مصر والأردن وسوريا والأهم لبنان. وهي تهدد الأمة كلّها، عربية أكانت أم سوريّة أم إسلاميّة، وعلى ذلك فقس.

 

بشير حي فيهم!

مشكلة هذا الطرف، سواء أدرك ذلك أم لم يفعل، أن "بشير (لا يزال) حيّاً" في وجدان مسيحيي لبنان والمشرق، من أقصى "يسارهم" العوني إلى أقصى يمينهم القواتي، سواء جاهروا بذلك أم أضمروا، اللهم باستثناء قلّة خرجت من انتمائها الطائفي إلى فضاءات أوسع. واخذاً بالمعادلة سالفة الذكر، ومع دفعها إلى نهاياتها، تكون النتيجة وضع مسيحيي المنطقة تحت هاجس جديد أن تعاطفهم مع بشير يستجلب لهم تهمة العمالة وبالتالي يصبح قتلهم واجباً وعمل بطولة. مع فارق بالغ الأهميّة، لا يتنبه له هذا الطرف، أن بشير بالنسبة للمسيحيين ليس ذاك البرنامج العملياتي، السياسي والعسكري والأمني، ولا هو الرهانات الإقليمية التي اعتمدها، وإنما ذلك "الحلم" الذي يعبر عن هواجس ومخاوف وجودية رافقتهم مذ الفتوحات التي غيرت المعالم الديموغرافية للمنطقة وحوّلت المسيحيين إلى أقليات متناثرة ضعيفة، باستثناء فترات متقطعة، بينها مرحلة ما بعد استقلال لبنان حتى السبعينيات. وبالمناسبة، ليس بالضرورة أن تكون هذه المخاوف منطقيّة، فما يتحكم بسلوك الجماعة ليس ما تعرضت له على مر التاريخ، بل ما تختزنه ذاكرتها الجمعية عنه، ورؤيتها هي لحالها ومستقبلها. من هنا، لا يمكن لتلك الجماعة أن ترى بشير عميلاً (زعيم محلي ولاؤه لطرف خارجي يتلقى أوامره منه)، وإنما صاحب مشروع، بدأ بالسعي لبناء "وطن قومي" للمسيحيين وانتهى إلى استعادة السيطرة على لبنان مستغلاً انتصار اليمين الإسرائيلي في انتخابات العام 1981، ذهب أدراج الرياح مع كبسة زر من حبيب الشرتوني. وما إصرار الطرف المنتصر، من وجهة نظر هؤلاء، على معادلة العمالة والبطولة، سوى مزيد من التغريب للمسيحيين، جعل قارات العالم الخمس موطناّ جديداً لهم، هذا طبعاً قبل ظهور "داعش" و"النصرة" وأخواتهما.

 

الرهانات الخاطئة

من هنا، فإن أي تقييم لبشير ومرحلته، لا بد أن يحاكي مقاربة الطرف الآخر له، على ألا تطال النيات وإنما النتائج: لقد راهن على الفريق الخطأ في التوقيت الخطأ والسياق الخطأ، فكان أن أضاع حقوق المسيحيين ووضعهم في الجانب الخطأ من حركة التاريخ. مع الاعتراف، أن هذا التقييم قائم على قاعدة حكمة ما بعد الفعل، بمعنى إسقاط تجارب ومفاعيل اليوم على أحداث جرت قبل 35 عاماً: "طائف" يفّرغ المواقع المسيحيّة من سلطاتها، ويدخل الطائفة في احباط استمر لنحو عقدين من الزمن. انسحاب إسرائيلي مذل لم يراع حال "الحلفاء" وأمنهم (حتى من رافقهم إلى داخل الكيان عوملوا كـ"خونة" لبلادهم، فهمّشوا وأذلّوا وشهادات أنطوان لحد خير دليل). والجيش "الأسطوري" الذي جرى الرهان عليه في ذاك الحين، لا يعرف اليوم كيف يضمن أمن الكيان الذي يتساءل قادته إن كانت نهايته قد أذنت أم بعد. بل جعل المسيحيين، المتهمين أصلاً بتاريخ في الولاء للمستعمر الفرنسي، مشكوكاً في انتمائهم إلى محيطهم العربي إلى أن يثبتوا العكس.

 

بين رهانات بشير وخيارات ميشال عون

تقييم من هذا النوع أجراه، للأمانة، تيار وازن من المسيحيين، تقوده شخصية تاريخية، لم تتخل يوماً عن "الحلم"، ستترك بلا شك بصماتها على المسيحيين وعلى لبنان والمنطقة لعقود مقبلة. شخصيّة تشكل عملياً، وبشير، وجهين لمشروع واحد. أو بالأحرى، فصلين من كتاب واحد. علاقتهما ببعضهما البعض كعلاقة العهد الجديد بالعهد القديم. الهدف نفسه والمسيرة نفسها، ولكن بأدوات وتحالفات وقواعد اشتباك جديدة. شخصية يصدف أنها اليوم تشغل موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية، لكنها تفترق عن بشير بأمرين مفصليين: البعد الأخلاقي لميشال عون. ونجاحه في إعادة المسيحيين، أو القسم الأكبر منهم، إلى الجانب الصحيح من التاريخ.

المفارقة أن عون وجماعته، وإن كانوا يتّفقون مع بشيريي اليوم (إقرأ القوات والكتائب) على قراءة الماضي، لكنهم بلا شك يختلفون على مقاربة الحاضر والمستقبل، فيما عون وحلفاؤه (إقرأ تحالف 8 آذار) وإن كانوا يتناقضون في مقاربة الأمس، لكنهم بالتأكيد يتحدون في رؤيتهم لليوم والغد.

أما سخرية القدر فهي أنه في الوقت الذي يستعيد فيه المسيحيون انتماءهم المشرقي العربي، فإن كثراً من العرب يستعيدون مشروع بشير ورهاناته... ولا بد يحصدون ما جناه من ثمار. 

  • المدير العام ل"معهد الدراسات المستقبلية".