لا تتفاجأوا، أجل لبنان دولة علمانيَّة بدستورها ومعظم قوانينها. قلها هكذا بالفم الملآن البروفيسور والمحامي إبراهيم طرابلسي خلال إطلاق مشروع قانون نقابة المحامين المتعلّق بالزواج المدني الاختياري يوم الخميس 2 تشرين الثاني 2017 من بيت المحامي.

في الواقع، ليس البروفيسور طرابلسي الأول من أعلن عن الهوية العلمانية للدولة اللبنانيَّة. فقد سبقه على ذلك العلامة الدستوري إدمون ربَّاط، إذ في مذكّرة موّجهة من هذا الأخير إلى المحامي جوزف بدوي، والتي نجدها في أرشيف الندوة اللبنانيَّة (والمحفوكظ حاليًّا في مكتبة الجامعة اليسوعيّة) يبيّن ربّاط كيف أن المواد المكرّسة للطائفية في دستور العام 1926 والمعدّل العام 1943 كانت كلها ذات "طبيعة مؤقتة"، تمامًا كما هو الأمر في دستور ما بعد العام 1989. ويشرح ربّاط كيف أن الدستور اللبناني "لا يقرّ لأيّ طائفة من هذه الطوائف بأي امتياز عن الأخرى، وحتّى إنه لا يعتمد أحد الأديان أو أحد المذاهب دينًا أم مذهبًا خاصًّا بالدولة، الأمر الذي يؤدي إلى القول [...] بأنّ الدولة اللبنانية إنما هي علمانيَّة في هويّتها".

       

نقابة المحامين ومشروع الزواج المدني

تتميّز نقابة المحامين في لبنان بأنّها لا تزال تمثّل هذا النفس المدني العلماني للجمهورية اللبنانية. وقد يكون هذا الواقع هو الذي أفضى بالنقيب السابق للمحامين الأستاذ جورج جريج في العام 2014 إلى تشكيل لجنة لصياغة مشروع قانون متعلق بالزواج المدني الاختياري. وقد كانت هذه اللجنة التي رأسها البروفيسور إبراهيم طرابلسي والمؤلفة من محامين شابات وشبّان أمينة على رسالتها فأنهت صياغة هذا المشروع وأعلنته إلى الرأي العام من بيت المحامي يوم 2 تشرين الثاني 2017 باحتفال رعاه رئيس الجمهورية اللبنانية العلماد ميشال عون ممثلًا بالنائب غسان مخيبر. وبالتالي بات القانون أمام معركته التالية التي التزمت نقابة المحامين بخوضها داخل صرح المجلس النيابي.

       

حيثيات كثيرة كانت وراء  إعداد هذا المشروع. أولها أن القانون اللبناني يعترف بالزواجات المدنيَّة المعقودة خارج الأراضي اللبنانيَّة. ثانيها أنّ استطلاعات الرأي الأخيرة بيّنت أن أكثر من نصف اللبنانيَّين هم من المؤيّدين للزواج المدني الاختياري في لبنان. ثالثها أن معظم الدول المتقدّمة أقرّت الزواج المدني (بشكل الإلزامي أو الاختياري) ولبنان لا يمكنه أن يكون متخلّفًا عن الركب الحضاري والحداثوي. ورابعها لأن هذا المشروع إنما يعبّر عن التزام لبنان الصادق بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان الداعية إلى احترام حريّة المعتقد.

       

الزواج المدني حق!

نقيب المحامين الحالي الأستاذ أنطونيو الهاشم وضع مشروع قانون الزواج المدني الاختياري تحت عنوان الحريَّة، وإزالة الحواجز بين اللبنانيين والتمسّك بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان، مشدّدًا على أنه ليس موجّهًا ضد المعتقدات الدينيَّة، يقول: "المعتقدات الدينيَّة جديرة بالاحترام، وللمشرّع أن يستوحي منها ما يشاء، لكنّ المشرّع يبقى مشتقلًّا عن أي عقيدة دينيَّة عند التشريع". ففي يومنا، لا يمكن أن يستقيم التشريع في بلاد الديمقراطية إن لم يكن اولًا مستقلًا عن أي معتقد او شريعة دينية وأن يكون أيضًا مراعيًا لحقوق الإنسان خاصة فيما يتعلّق بالمساواة بين الناس واحترام حرية المعتقد للجميع. ولكي يقطع الطريق أمام القائلين زورًا بأن الزواج المدني هو باب للتفلّت الديني ولإنهيار العائلة شدّد النقيب على أن هذا المشروع حرص بأمانة على تمتين الروابط العائلية والزوجية. ويتساءل النقيب لماذا نقبل بالزواج المدني الحاصل في الخارج ونمنع على نفسنا إقرار قانون مدني للبنان، ليقول: "نحن نتحايل على القانون ونضع رأسنا بالرمل، نقبل الزواج المدني المعقود في الخارج ما يعكس ازدواجيَّة معيبة". من هنا كان هذا المشروع بحسب النقيب "عصريًّا، متطوّرًا، اختيارًّا" يراعي مبادئ العدالة والحداثة ويلبي حاجات اللبنانيّين في آن. وعليه يصبح هذا المشروع بحجم الوطن وواجب الإقرار دون أي تأجيل من أجل التسريع بتعزيز الدولة المدنية العلمانيَّة في لبنان.

 

        رئيس لجنة صياغة هذا المشروع البروفيسور إبراهيم طرابلسي استعرض مسيرة القانون المدني والزواج المدني في لبنان منذ القرار 60 ل.ر. الصادر في العام 1936 عن المندوب السامي الفرنسي وحتى اليوم مرورًا بمبادرات العميد ريمون إدّه (1957) والحركة الوطنية برئاسة كمال جنبلاط (1976 – الورقة الإصلاحية) والحزب الديمقراطي برئاسة جوزف مغيزل (1977) ويوسف تقلا (2010) والتيار الوطني الحرّ (في برنامجه السياسي العام 2014). وقد يكون مشروع الرئيس الياس الهراوي (1998) الذي صوّت عليه أكثر من ثلثي مجلس الوزراء أحد أهمّ هذه المحطات إلا أن المشروع بقي عالقًا في درج رئيس مجلس الوزراء آنذاك الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي رفض توقيعه. يستهجن البروفيسور طرابلسي واقع أن القضاء اللبناني يستورد أكثر من 197 قانونًا للأحوال الشخصية الأجنبية بسبب أنه لا يوجد لدينا قانونًا مدنيًّا لبنانّيًّا بما يشكّل الأمر من انتهاك فاضح للسيادة اللبنانيَّة. ولا يغيب عن بال طرابلسي أن يشير إلى أن الدولة قامت بتجيير سلطتها في مجال الاحوال الشخصية للطوائف المختلفة، غير أن هذا التجيير هو ذات طابع مؤقت وليس مطلق. فالدولة لا تزال تحتفظ لنفسها بالسلطة فيما خصّ الاحوال الشخصية، والتفويض المعطى للطوائف عابر وقابل للاسترداد في أي وقت. وبالتالي إن الدولة هي دومًا الأصيل فيما خصّ الأحوال الشخصية في لبنان، امَّا الطوائف فهي ليست إلا بوكيل مؤقت.

        وعليه كان هذا المشروع الاختياري الذي قدمته نقابة المحامين بحيث يعيد للدولة سلطتها على الاحوال الشخصية للبنانيين بما يحفظ الاحترام للعقائد الدينية (من هنا صفة الاختياري). من هنا لا يجب تصوير المشروع المقدم للزواج المدني على أنه موجّه ضد الدين، أو ضد رجال الدين بل هو مدخل للدولة المدنية العلمانية اللبنانية.

       

الزواج المدني ضمان التنوع

يبقى علينا القول في النهاية إنَّ مشروع القانون المدني للأحوال الشخصية في لبنان، ليس فقط مدخلًا لتعزيز حضور الدول وتأكيدًا على هويتها العلمانية بل هو ضمانة للمحافظة على التنوع في لبنان، الذي هو متحف المشرق العربي ونافذته على المستقبل. هذا التنوّع الذي يشكّل الضمانة الأبرز للمسيحيين وللمسلمين على السواء، وأيضًا للمؤمن ولغير المؤمن وللباحث عن الحقيقة وعن ذاته الإنسانيَّة.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث"