تعطي التكتّلات الاقتصاديّة والمصالح والهيئات العالميّة اللبنانيّة أملًا لانتشال لبنان من أزمته الاقتصاديّة الراهنة. وتتمتّع المنتوجات الثقافيّة اللبنانيّة بمضامين غنيّة فيما يتوق اللّبنانيون المغتربون إلى تراثهم وثقافتهم ومعرفة وقائع بلدهم. تبذل بعض المؤسّسات الرسميّة والمدنيّة جهدًا لخلق صلة وصل بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، منها وزارة الخارجيّة والمغتربين والمؤسّسة المارونيّة للانتشار والتكتّلات الاقتصادية اللبنانية في الخارج.

 

دور مؤتمر الطاقة الإغترابية

انطلقت فكرة إنشاء غرف صناعية وتجارية ثنائيّة بين لبنان وكلّ من دول الاغتراب في مؤتمر الطاقة الاغترابية عام 2013. وقعت خارطة التكامل خلال مؤتمر الطاقة الاغترابية 2017 في لبنان لإنشاء شبكة التعاون بين اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان وبين الغرف اللبنانيّة المشتركة أو أيّة كيانات اقتصاديّة لبنانيّة وتمّ إصدار المراسيم الوزارية القانونيّة اللازمة لتشكيل لجنة المتابعة. بحسب مصدر موثوق من وزارة الخارجية، وقّعت سبع دول حتى اليوم على الاتفاقية هي البرازيل واستراليا وفرنسا وشاطئ العاج والمكسيك وكندا والإمارات العربيّة المتّحدة. ويتمّ العمل على إنشاء شراكات جديدة مع عدد من الدول الأخرى حيث يوجد تجمّعات رجال أعمال لبنانيّين منها روسيا وإيطاليا واليونان والأرجنتين وفنزويلا. فيما يتمّ حثّ الأقطاب الاقتصادية اللبنانيّة الموجودة في في عدد من الدول الأخرى منها نيجيريا وأنغولا والغابون على تشكيل تكتّلات اقتصاديّة وهيئات قانونيّة تخوّلهم التعاقد مع الغرف التجارية اللبنانيّة.

يهدف هذا المشروع إلى إنماء الاقتصاد الوطنيّ في لبنان من خلال زيادة الصادرات وتفعيل العلاقات التجارية بين هذه الدول ولبنان. خصوصًا مع تمتّع الغرف بهيئة قانونيّة لتسهيل المعاملات التجاريّة وأيضًا إصدار شهادات المنشأ والمصادقة على الفواتير. زد على ذلك، يبدو هذا المشروع فعالا في توطيد العلاقات بين رجال أعمال لبنانيّين في دول مختلفة حول العالم. بالاضافة إلى خلق نوع من قاعدة معلومات تسمح لرجال الأعمال اللبنانيّن وإنشاء علاقات تجارية فيما بينهم وتحسين أعمالهم. ويتمّ العمل على ذلك من خلال إنشاء موقع الكتروني خاص ستطلقه وزارة الخارجية قريبًا.

 

الفوائد الإقتصادية وتدخّل القطاع المصرفي

تتعاون وزارات الخارجية والمغتربين والاقتصاد والزراعة لتسويق المنتوجات اللبنانيّة في العالم عبر حملة “Buy Lebanese” الفكريّة والثقافيّة والزراعية كالكتب والأفلام والنبيذ وزيت الزيتون والعنب والتفاح. ينال النبيذ حصّة الأسد الصادرات اللبنانية بالنظر لارتفاع نسبته 15% عن العام المنصرم . ذلك بموازاة التسويق للمنتوجات الصناعية الغذائية اللبنانية خلال المؤتمرات الاغترابية. إلّا أنّ المؤتمرات الاغترابية ينحصر دورها في التسويق الاعلانيّ وتفتقر لعرض هذه المنتوجات المباشرة.

وفي حين قدّمت المصارف عروضات لتخفيض قيمة الفوائد على القروض الاستثماريّة للشركات الّتي تقوم بين اللبنانيّين المقيمين والمغتربين، لا يزال القانون التجاريّ اللبناني بعيدًا عن الحداثة لمواكبة عصر السرعة وتحفيز الانطلاقات الواعدة. وخصّص مصرف لبنان مبلغ سبعمئة مليون دولار تقريبًا لدعم المصارف الخاصّة لتمويل المشاريع التكنولوجية الجديدة في لبنان. كما دعم أيضًا القروض السكنيّة للمغتربين لتكون ميسّرة طويلة الأمد مع فوائد أقلّ وسقف استدانة أعلى مقارنة مع القروض المخصّصة للمقيمين.

بانتظار انعقاد المؤتمرات في القريب العاجل في إفريقيا وأستراليا وأوروبا، تعدّ وزارة الخراجيّة العدّة لمشاريع جديدة الّتي ستطرحها في مؤتمر الطاقة الاغترابية في لبنان أيّار 2018. وتخّطط لإشراك مؤسّسات اغترابية في تحسين البنى التحتيّة العامّة: طريق من الدامور إلى محافظة الشمال، وإنشاء معامل كهربائية، ووسائل للنقل العام. تجري دراسة تنفيذ هذه المشاريع بأموال استثمارات خاصّة خارجية ومحليّة حيث تشتري منهم الدولة الانتاج والخدمات للمنفعة العامّة. على خلاف مبدأ الخصخصة السابق الّذي شهدناه حيث تقوم الشركات باستئجار مرافق الدولة وتشغيلها لفترة زمنيّة محدّدة، تسلّم بعدها المنشآت للدولة من جديد لنعود الى دوامة إعادة التأهيل. اليوم نصحى على أمل بناء دولة تليق بأبنائها تبدأ مع قانون الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ الّذي نرجو إصداره مع نهاية المؤتمر في أيّار المقبل.

 

المؤسسة المارونية للإنتشار والإهتمام الثقافي

في مقابل تركيز وزارة الخارجية والمغتربين عملها على النواحي الاقتصاديّة، تلعب المؤسّسة المارونيّة للانتشار دورًا مهمًّا على هذا الصعيد الثقافيّ. تشكّل التجمّعات المسيحيّة في العالم عصبًا اقتصاديًّا وتراثيًّا وثقافيًّا ذا وجهين: وجه ينشر لبنان في العالم، ووجه يحافظ على خصائص لبنان في لبنان ويعزّز الانتماء الوطنيّ.

من خلال الأكاديمية المارونيّة المنفتحة على جميع المذاهب المسيحيّة، يشارك مئات المتحدّرين من جذور لبنانيّة في الخارج بصفوف تعرّفهم أكثر عن تاريخ بلدهم وأهمّيته الثقافيّة. من أهمّ البرامج الّتي يجري تدريسها الكترونيًّا حسب ما أطلعتنا المديرة العامّة للمؤسّسة هيام بستاني، "حضارة لبنان وجبران خليل جبران وتاريخ الكنيسة المارونيّة وتاريخ لبنان منذ تأسيسه"، بالاضافة إلى مناقشة المواضيع الآنيّة في لبنان. المحطّة الأبرز في ختام برنامج الأكاديميّة هي الزيارة الميدانيّة حيث يحظى عشرات من الطلّاب سنويًّا برحلة مجّانيّة إلى بلدهم الأمّ يتعرّفون خلالها على أهمّ المعالم المارونية والتراثية والوطنية والأثريّة.

وقد أثمر العمل الدؤوب في المكاتب السبعة عشر التابعة للمؤسّسة والمنتشرة في الولايات المتّحدة الأميريكيّة وفرنسا وأستراليا وكندا وأميركا اللاتينيّة وجنوب أفريقيا والدومينيكان، أثمر تقوية حسّ الانتماء الوطنيّ لدى الشباب المهاجر. وبرز ذلك من خلال زيادة عدد طلبات استعادة الجنسيّة اللبنانيّة عبر المكاتب المذكورة، وجمع مبالغ كتبرّعات لجمعيّات عديدة في لبنان، كما أدّى إلى عودة بعض المشاركين على نفقتهم الخاصّة كمتطوّعين فصليّين في البرنامج الثقافيّ للأكاديميّة المارونيّة.

 

ربط المغتربين بلبنان واستعادة الجنسية

إلى جانب هذه الأعمال، تتعاون وزارة الخارجيّة والمغتربين مع المؤسّسة المارونية للانتشار في "زيارة الكنائس والأبرشيّات والنوادي والجمعيّات وعقد المؤتمرات الصحفية" في الخارج للتوعية على أهميّة الانتماء للوطن الأمّ. ممّا حثّ نسبة عالية من المسيحيّين على التقدّم لطلب استعادة الجنسيّة على رغم عدم ورود أسمائهم في الاحصاءات الأخيرة للمغتربين، واللتي جرت في ثلاثينيّات القرن المنصرم. أفضى ذلك إنشاء الروابط الوثيقة الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة بين الشباب المغترب والشباب المقيم. وتسعى المؤسّسة حاليًا إلى حثّ الحكّام على تعديل آلية تنفيذ قانون استعادة الجنسيّة "لاستيعاب كميّة أكبر من الملفّات وتسريع عمل اللجنة الاداريّة التي يترأسها القاضي أيمن عويدات".

 

ممّا لا شكّ فيه أنّ تحفيز المغترب اللبنانيّ على الالتفات لبلده الأمّ يبدأ من توعية الحنين في داخله وصقله بالمعرفة والثقافة والتراث اللبنانيّ. فيتبلور اهتمامه من خلال التبرّعات والاستثمارات العقاريّة والمؤسّساتيّة، على رغم استبعاد أمل الاستقرار الدائم في موطنه لأسباب أخرى قد تكون أمنيّة أو خدماتيّة...

 صحافية في "اليوم الثالث".