ممهورًا بتوقيع ٩١ شخصية قبطية فى مـصـر وأوربا وأمريكا، صدر بيانٌ في 18 تشرين الثاني 2017 تزامنًا مع الذكرى الخامسة لتجليس البابا تواضروس على كرسي مار مرقس، يزفُّ للأقباط تدشين ما أسموه "حركة الإصلاح القبطي المعاصر".

وقد ذكر الموقعون في بيانهم عدم تطرق الحركة إلى المسائل العقائدية، وشددوا على ضرورة فصل الدين عن السياسة في الكنائس داخل مـصـر وخارجها، مع التزام ما أسموه "مبدأ الشهادة للحق"، وأنهم يستلهمون خُطَى "حبيب جرجس" الإصلاحية. كما أكدوا على حماية كنائس المهجر من التدخل السياسي لأجهزة الدولة المصرية مباشرةً أو "عن طريق رجال الدين"، وأنها -أي كنائس المهجر- تخضع بحكم التكوين لقوانين الدول التي تأسست فيها ونُظُمها.

كذلك دَعَوْا إلى إنشاء ما أسماهُ البيان "صندوق عالمي لتبرعات الأقباط" حتى يتم "استثماره" بما يؤدي -بحسب البيان- إلى "تعظيم استفادة" الشعب القبطي.

 

"باراشوت" الإصلاحيين الجدد وآليات التنفيذ

مبدئيًا نحن نتفق طبعا مع بعض بنود البيان، وبكل وضوح نعم أحوال الأقباط وكنيستهم تحتاج لهبوب رياح التغيير والإصلاح. فلا يمكن لمسيحيٍ راشدٍ أن يتنكر لمبدأ "فصل دور العبادة عن السياسة" ولكن كيف تأتي كمصلحٍ برؤية للإصلاح بالبراشوت، وأنت لستَ عضوًا كنسيًا؟ فضلاً عن عدم مراعاتك للتطورات والاضطرابات الداخلية، أم لا تُدرك أن "نُبل القصد" يعني أن تأخذ المتغيرات الداخلية في حُسبانك حتى "لا يزداد الطين بلّة".

وما هي آلياتك للتنفيذ؟ أهي بالمهاترات الفايسبوكية؟ أم باللعب على وتر مشاعر شباب متحمس غير ناضجٍ كفايةً، وبعضهم "لا يعرفون يمينهم من شمالهم" (يون11:4)؟ أم بأساليب ضغط مباشرة أو غير مباشرة؟

فالبيان يقول نصًا: سيكون سلاحنا هو"العمل القانوني"، فمن جانبٍ كيف ستقوم بتفعيل هذا البند؟ هل برفع قضايا مثلاً في المحاكم الغربية باعتبار أن الكنائس في الغرب "تتبع قوانين دولها"؟ ومن جانبٍ آخرَ، بأي صفةٍ تفعل هذا؟

هذه الحركة الوليدة تضم من بين أعضاءها عددًا من الشخصيات المخلصة التي تدعو للإصلاح والتنوير بوعيٍ ومسؤولية ورقيٍ في الطرح، وتشمل أيضًا مجموعةً من الذين لهم باعٌ في مماحكات و"مباحثات غبية سخيفة" (2تي23:2) تؤجج من الصراعات داخل البيت الواحد، ومنهم مَنْ يبحث عن دورٍ وأيضًا من يبتغي الشهرةَ سبيلاً.

وكيف يستقيم "الغرض" (في14:3) ويستقيم هدف الدعوة، إن كانت تلك الهبة الإصلاحية تأتي بالباراشوت وليست أصيلة لمن هم أعضاء فاعلين داخل حقل الخدمة، وإن كانت أساليبك في الدعوة للإصلاح تشتمل على مفرادتٍ للسب والتطاول وكيل الاتهامات والتشكيك.

 

هل ترفض الكنيسة دعوات الإصلاح؟

والآن نسأل بموضوعية: هل الكنيسة لا تهتم بالإصلاح؟

الإجابة هي أنَّ باب المقر البابوي دائمًا مفتوحٌ ومرحبٌ بمقترحات العلمانيين الأقباط للإصلاح، وسنُفصِّل هذا الأمر لاحقًا. وعلى رأس الرتب الكنسية شخصٌ إصلاحيٌّ "لا غشَّ فيه" (يو47:1) لكل ذي بصيرة محايدة. فمنذ جلس "البابا تواضروس الثاني" على كرسي مار مرقس وهو لا يألو جهدًا في محاولة التقريب بين الكنائس الثلاثة، والوثيقة المشتركة مع البابا "فرنسيس" ممثلاً للفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية خير مثال.

البابا أيضًا شخص محب للحوار ومنصت جيد لكل أبناء الكنيسة إكليروسَ وعِلمانيين. حتى أنه لا يجد غضاضة في لقاء مَن ينتقدونه ويهاجمونه شخصيًا على الملأ وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بل أنه فتح قنوات حوار مع الشباب القبطي المعارض والمعترض من كل التوجهات.

وسؤال آخر: لماذا تتبنى "الحركة" الإصلاح داخل الكنيسة الأرثوذكسية فقط؟ هل الكنيستان الإنجيلية والكاثوليكية لا تحتاجان للإصلاح؟

وسؤال ثالث وآخير: إن كان ثَمَّةُ مَن له "رؤية" للإصلاح، لماذا لا يأتي بها ويناقشها داخل حوائط البيت (الكنيسة) بدلاً من حوائط التواصل الاجتماعي وخلق بؤر خلاف جديدة تُضاف للتوترات المصرية الداخلية، ولا تُمثِّل أولوية أو ضرورة ملحة، فتزداد حدة الخلافات وتتسع الهوّة بين مؤيد ومعارض على تلك الحوائط الإلكترونية ويقتنصها المتربصون فرصةً والمصطادون في الماء العكر،و"الحيطان لها ودان" كما يقول المثل المصري الدارج.

 

دلائل اهتمام الكنيسة بالإصلاح والتغيير

كل المؤشرات منذ تم تجليس البابا تواضروس على كرسي مار مرقس منذ خمس سنوات، تؤكد حقيقة رغبته الأكيدة للإصلاح وقد تجلى ذلك في أمور عدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر النقاط التالية:

  • استقباله مرحبًا للعديد من العلمانيين الأقباط المهمومين بملف الإصلاح، وتلقي ودراسة مقترحاتهم وكتبهم.
  • قيام "المتحدث الإعلامي" بدعوة مجموعات من الشباب القبطي، لمقابلة والتحاور وجهًا لوجه. وقد كتب هؤلاء الشبان عن "البابا الذي لا نعرفه" بكلِّ ودٍّ حتى المختلفين بكل توجهاتهم الإيديولوجية. حيث التقى بهم البابا لاستماع وجهات نظرهم وأيضًا لعرض رؤيته ووجهة نظر الكنيسة في قضايا الساعة، لتكتمل الصورة لديهم من جميع الجوانب.
  • بالنبسة للحوار المسيحي المصري، ساهم البابا في تدشين "مجلس كنائس مصر" بعد تجليسه بعامٍ واحدٍ وبالتحديد في 19 أيلول 2013.
  • محاولة التقارب مع الكنيسة الكاثوليكية، حيث التقى قداسته البابا فرنسيس في زيارته المهة لمصر، وقام بتوقيع "وثيقة لاهوتية" في 2 أيار 2017 بشأن الاعتراف بمعمودية الكاثوليك، وهي خطوة جبارة نجحت في إذابة الجليد بعد جفاء 16 قرنًا مع الكنيسة الكاثوليكية.

ومما يؤكد جرأة البابا الإصلاحية أن تلك الخطوة غير المسبوقة، صحبتها معارضة شرسة من بعض أساقفة "المجمع المقدس" الذين لهم سطوة وتأثير كبير بين بعض الشباب الأرثوذوكسي ويسمون ب"الحرس القديم".

 

نهج الاصلاحيين الجدد

القصد النبيل للإصلاح يمكن تلخيصه بهذه العبارة "الإصلاح من الداخل"، ولكن يغلب على البيان طابع "الوصاية والاستعلاء" على الكنيسة، وتظهر صيغ وبنود البيان وكأن الكنيسة تأتمر بأمرهم. أيضًا تحمل تلك الصيغ افتئاتًا -ولن نقول تشكيكًا- على دور الكنيسة، وإلا ما معنى إنشاء ما أسماه البيان "صندوق استثماري" بغرض "تعظيم استفادة الأقباط من التبرعات".

 

الرؤية الصحيحة للإصلاح

أشار "البيان" الى أن الموقعين إنما هم يسيرون في دعوتهم على درب الأرشيدياكون "حبيب جرجس" الإصلاحي، فهل يعرفون أن القديس المتنيح طوال تاريخه العامر بالجهاد، كان يناضل من داخل الكنيسة كابنٍ بارٍّ لها. "حبيب جرجس" الذي ذكره البيان كان مكرسًا في "خدمة مدارس الأحد" التي قام بتأسيسها. "حبيب جرجس" الذي ذكره البيان كان مهتمًا ب"التعليم الكنسي" وتلمذ جيلاً من الرعيل الأول الكنسيين العظام. "حبيب جرجس" الذي ذكره البيان كان أستاذا بالكلية الإكليريكية ولم يكن يناضل من "خارج الكنيسة"، بل كان "يعمل ويعلم" كسيده (مت 19:5) من "داخل البيت" باعتباره عضوًا عاملاً في حقل الرب، ولذلك استحق أن تعترف الكنيسة به كأحد قديسيها المعاصرين في 20 حزيران 2013 بعد عشرات السنين من موته. ونحن نشكر الرب كثيرًا أن "فيسبوك" لم يكن موجودًا في زمن حبيب جرجس!

 

هذه رؤيتنا التي حاولنا فيها بتجرد وموضوعية وأسانيد استدلالية مناقشة البيان التأسيسي ل"حركة الإصلاح القبطي"، فنحن لسنا طرفًا أو بصدد توجيه إيقاع البيان، فقط ضبطه وتحليله. وليس أيضًا محاولةً لفرض رأينا الشخصي بقدر ما هي محاولة لاستجلاء الحقيقة أما الرأي الآخر فقد تركناهُ لك قارئنا الحبيب.

 وفي الختام نقول: هل هناك حاجة للإصلاح؟ الإجابة نعم قولاً واحدًا، لكن يبقى السؤال الأهم: "كيف"؟

  • ناشط حقوقي مصري يراسل موقع "اليوم الثالث"