كثيراً ما ورد مصطلح "الفدراليَّة" خلال السنتين الفائتتين على المسرح السياسي في لبنان. والأهمّ أنّ هذا الطرح ترافق وخطاب متصاعد في منطقة الشرق الأوسط حول حل فدرالي للوضع في العراق وفي سوريا.

 

القيادات المسيحية: فدرالية أم لامركزية إدارية؟

كانت الوثيقة اللبنانيَّة الأولى التى ألمحت إلى هذا الأمر خلال هاتين السنتين ورقة "إعلان النوايا" التي وقعها في الرابية كلٌّ من العماد ميشال عون والدكتور مسير جعجع أوائل صيف 2015 والتي تنصّ في مادتها الرابعة عشر على "اعتماد اللامركزيَّة الإداريَّة والماليَّة الموسَّعة ونقل قسم كبير من صلاحيَّات الإدارة المركزيَّة ولاسيَّما الإنمائيَّة منها إلى سلطات لامركزيَّة مُنتخبة وفقًا للأصول وتأمين الإيرادات الذاتيَّة اللازمة لذلك". أسابيع قليلة بعد ذلك، أعطى العماد عون، وكان آنذاك لا يزال رئيسًا للتيار الوطني الحرّ، تصريحًا لجريدة الجمهوريَّة قال فيه بأنَّ "العلمانيَّة هي النظام الأمثل للبنان"، ولكنّ الشعب اللبناني ليس جاهزًا لهذا الامر، وليضيف ما معناه: إنْ لم يحصل المسيحيّون على حصتهم العادلة في التمثيل النيابي والإداري والأمني في لبنان، فإنهم يُدفعون من قبل شريكهم المسلم بإتّجاه الفدراليَّة. كان هذا الإعلان هو الأول والأبرز خلال الجمهورية الثانية الذي يعيد طرح فكرة الفدرالية. خاصَّة وأن بعض المراقبين ربطوا ما بين "فدرالية العماد العون" و"اللامركزية المالية والإدارية الموسّعة" التي قال بها إعلان النوايا بين التيار الوطني الحرّ وحزب القوات اللبنانية. والمعلوم أن حزب القوات اللبنانيّة لم يكن يومًا بعيدًا عن الفكرة الفدرالية، لا بل إنه يعتبر نفسه أب هذه الفكرة الذي حملها إبَّان ثمانينات القرن الماضي والتي نظّر لها كثيرًا الأستاذ أنطون نجم (خاصة في الكتابين: الفدرالية المنفتحة، ودولة لبنان الاتحادية).

        في الفترة نفسها، خرج الأستاذ سامي الجميّل بمناسبة تبوّئه رئاسة حزب الكتائب ليعلن في خطابه قناعة حزبه بفشل الدولة المركزية في لبنان، وليطالب جهرًا بنظام إتحادي (والاتحادي هي تعريب للفظة الفدرالية Fédération, Etat Fédéral). بهذا، يمكننا القول إنه بات لدينا توافقًا ثلاثيًا ما بين القوى المسيحية الثلاث الأبرز على أنّ الفدرالية هي خيار ممكن بالنسبة لهم.

إضافة إلى هذا التوافق الثلاثي، ظهرت العديد من الأصوات الفردية أو المنتمية لجمعيات تنادي بالفدرالية. غير أن هذه التصاريح بمعظمها كان يفتقد المشروع الواضح. إذ أن غالبية هؤلاء اكتفوا بلفظ مصطلح الفدرالية البرّاق دون أن يرفقوه بأي جهد لتفصيله فلسفة وخطة عمل ونتائج. ففكرة الفدرالية هي فكرة غير واضحة، لا بل مجهولة المضمون من غالبية الرأي العام اللبناني. من هنا أهميَّة أن يتمّ عرض كلّ مفاصل هذا المشروع الفدرالي ليس فقط على الرأي العام، بل على طاولة النقاش.

 

الأسئلة الصعبة

أسئلة كثيرة تُطرح حول مشورع الفدرالية: كيف ستُحلّ مشكلة الطائفيَّة وعلاقة الدين بالدولة ضمن هذا النظام الفدرالي؟ هي ستكون الفدراليَّة فعّالة ضمن نظام مأسسة الفساد الموجود في لبنان؟ وما هي الحلول المقترحة من أجل الحدّ من الفساد؟ ما هي الكانتونات أو التقسيمات التي سيكون عليها لبنان الاتحادي؟ هل سيكون هناك من دستور مشترك، إضافة للدساتير الفدرالية؟ كيف ستُنظم العلاقات الجديدة بين الطوائف والمناطق اللبنانية؟ هل الفدرالية ستكون على أساس مناطقي او طائفي أو ماذا؟ بيد من ستكون السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية؟ هل ستكون بيد حكومات الكانتونات، أو بيد الحكومة الفدرالية العليا؟ إذا كانت الفدرالية قائمة على أساس طائفي، هل سيسمح للمسيحي بأن يقطن المنطقة المسلمة أو الدرزية، أو للمسلم بأن يقطن المنطقة المسيحية؟ ماذا لو قرر الكثير من المسلمين أن يقطنوا الكانتون المسيحي، بحيث يكون عددهم موازيًا لعدد المسيحيين فهل ستقبل الحكومة المسيحية بذلك (والعكس أيضًا)؟ هل سيبقى الجيش اللبناني موحدًا بإمرة الحكومة الفدرالية، أو سيكون لكل كانتون جيشه، أو ميليشياه الخاصة؟ إلخ...

 

لنقاشٍ علمي   

إن المنادين بالفدرالية في لبنان مُطالبين بتوضيح هذه النقاط وغيرها بحيث يكون المشروع الفدرالي أو الإتحادي مشروعًا قابلًا للنقاش العلمي والرصين، وللعصف الذهني الخلاق. وإلا تكون المطالبة بالفدرالية من باب فقاعات الهواء التي لا تفيد.

 

*أستاذ جامعي متخصص في التاريخ