أول من صك المصطلح secularism هو جورج جاكوب هوليك (George Jacob Holyoak , 1817-1906) الذي عاش في انكلترا، وكان لا أدريا Agnostic، وهو الذي أسس “جمعية لندن العلمانية” London   Secular Society  ليصف بها النظام الذي يهتم بطرح الأسئلة والموضوعات التي يمكن اختبارها والتحقق منها في هذه الحياة فقط، فهي تهتم بما هو مادي وأخلاقي وعقلاني، وأكد أن العلمانية تقف على الحياد بين الدين والإلحاد.

 

بحثاً عن الحرية من خلال الحيادية

هناك مدرستان، مدرسة تنادي بعلمانية محايدة، ومدرسة تنادي بعلمانية ملحدة تنكر الدين، وهما المدرستين اللتين نراهما حتى اليوم في كتابات العلمانيين، فكيف نحكم بينهما ونقرر أيهما الأنسب للإنسان والمجتمع؟ هذا هو السؤال الذي لا نجد عنه إجابة إلا في كلمة واحدة هي الحرية.

 

العلمانية المحايدة هي التي تحقق الحرية. فهي تمنح بيئة محايدة يتعايش فيها الملحد مع المؤمن تحت الوطن الواحد، دون وصاية أو حجر على الضمائر، أو إجبار، أما العلمانية الملحدة والتي تتعايش من مهاجمة الإيمان بأي دين فهي إقصائية، تفعله ما تفعله الكثير من الأديان، فتكفر الآخر المؤمن، كما يكفر العديد من معتنقي الأديان بعضهم أو يكفرون الملحدين، وهي ما تمثله علمانية الصين مثلا التي قمعت كل الأديان بما فيها البوذية.

وبهذا نستطيع أن نستنتج أن أنسب وصف للعلمانية يحقق كرامة الإنسان وحريته هي العلمانية المحايدة التي تفصل كلا من الدين أو الإلحاد عن الدولة ونظام الحكم، والتي تجعل نظام الحكم (تشريعا وقضاءً ومؤسسة تنفيذية) محايدا، لا يفضل ديناً على آخر أو ملحداً على مؤمناً، أو رجلاً على إمرأة، الجميع سواء أمام القانون المدني في الحقوق والواجبات.

 

المسيحية العلمانية

 المسيحية هي كلاهوت وإيديولوجية لا تعترض على العلمانية، ولا تقف منها موقف الحياد، بل أنها تشجع على العلمانية. فنصوص المسيحية المقدسة من أقوال المسيح هي التي خلقت مفهوماً جديداً للتشريع الديني فأصبح الإنسان هو المركز لا الشريعة وكان هذا تمهيداً للفصل بين القيصر والإله.

بل أن أحد أهم الأفكار التي تمثل جوهر العلمانية في معناها الرئيسي الحيادي هو القول إن الإله "يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين". فالمسيح فصل اللاهوتي عن المدني، ومملكة الله عن مملكة العالم منذ أكثر من 2000 عام، ولم تصل الفكرة إلى التطبيق الفعلي إلا في القرن ال19، وفي مجتمع ذوي أصول مسيحية مثل بريطانيا، تمرداً على سلطات الكنيسة المبالغ فيها.

نستطيع إذن أن نقول إن تعاليم المسيح تريد حكماً محايداً. بعد هذا ليست صدفة أن تكون دول أوروبا وأميركا ذات الجذور الثقافية المسيحية هي منبع العلمانية.

 

هل العلمانية هي الحل؟

لعل أكبر الأمثلة على مشاكل العلمانية أنها تتعامل بحيادية (أو أنها من المفترض أن تتعامل بحيادية) مع الجميع، حتى مع من يرفضونها، وبهذه الحيادية المطلقة قد تسمح بوصول متطرفين أو متعصبين سواء من المتدينين أو الملحدين إلى الحكم، ومنه ينقلبون على العلمانية نفسها فيقمعون هذه الحرية، وهذه البيئة الحيادية وبهذا قد تحمل العلمانية بذور فناءها في المجتمعات الأكثر جهلاً وتعصباً مثل مجتمعات الشرق الأوسط .

 

والعلمانية كبيئة حيادية يمكن تطبيقها بإحدى طريقتين:

الحيادية الإيجابية والتي تسمح للجميع بالتعبير الكامل عن معتقداتهم مثل علمانية أمريكا، فتسمح بجميع أنواع التعبير، حتى مهاجمة العقائد والأديان أو الدعوة إلى الأديان أو ارتداء الأزياء الدينية الخاصة بأتباع كل دين.. طالما كانت طريقة التعبير تخضع للقانون المدني ولا تمثل خطراً مادياً ملموساً على حياة الناس.

وهناك الحيادية السلبية: وهي التي تقف على النقيض ضد جميع مظاهر التعبير الديني في الحياة العامة، فتمنع ارتداء الملابس الدينية مثلا في المؤسسات الحكومية و المدنية العامة، وهذه تمثلها علمانية فرنسا.

الأولى الإيجابية تسمح بمزيد من الحرية، و لكنها تسمح أيضا بمزيد من الفصل العرقي و الديني بين المواطنين، ومع الوقت قد تؤدي إلى تفتت المجتع إلى عرقيات وغيتوهات يفقدون فيها الانتماء الوطني العام …

أما الثانية السلبية فتحد من حرية التعبير إلى حد ما، ولكنها تحمي المجتمع من النعرات الدينية المتطرفة، وتسمح (نظريا على الأقل) بمزيد من التجانس بين مواطني المجتمع الواحد.

 

أي علمانية نختار؟

ثالث مثال على مشاكل العلمانية، هو أن الحيادية المطلقة يصعب تحقيقها، فالإنسان مخلوق متدين بطبعه، حتى الإلحاد هو موقف ديني في أصوله، و إن كان موقفاً سلبياً، والحكم المحايد في مباريات كرة القدم قد يكون من العسير الحصول عليه في الكثير من الأحيان، ومن هنا كان وصول أي شخص للحكم، يمكن أن يؤثر على هذه الحيادية.

في النهاية العلمانية مادية لا روحية، وأرضية لا سمائية، وحيادية وإنسانية وعقلانية. العلمانية تحتمل جميع الأديان ولكنها لا تحتمل الشرائع الدينية (والتي تعني أن يكون الحَكَم متضامنا مع فريق ضد الآخر)، إلا أن هذا هو سر جمالها وضعفها في آن واحد. فهي بالتأكيد لا تجيب على كل تساؤلات الإنسان، فالإنسان ليس مادة فقط، والوجود الإنساني ليس سياسة فقط، والحياة الإنسانية لا تكتفي بالأرض فقط، ولكنها بحيادتها وإنسانيتها وعقلانيتها هذه تسمح بمزيد من الوقت والجهد الإنساني من أجل الإجابة على أصعب الأسئلة الوجودية التي تواجه الإنسان.

 أن يكفر و أن يرتد عن كفره، أن يعشق، أن يثور، أن يمارس حريته و اختيارته إلى أقصي الحدود الممكنة …ولهذا كانت العلمانية أعظم الوسائل من أجل تحقيق ما هو أعظم من العلمانية … الحرية الإنسانية بأجمل صورها …

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة