"المسيحيون لا يريدون عودة الدولة اليهم، إنما عودتهم الى الدولة"، ربما هي العبارة الأنسب التي تظهر مدى الإجحاف اللاحق بفئة من اللبنانيين. هم الذين راهنوا منذ إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 وإعلان الاستقلال سنة 1943، على أنه يمكن للمكونين المسيحي والإسلامي أن يؤسسا دولة واحدة موحدة، أرضا وشعبا ومؤسسات، تحمي نموذجاً في الحرية والتنوع والمساواة التامة.

لكن بعد ال1990، تراجع دور المكون المسيحي اللبناني لأسباب عدة. لم يمنع ذلك من استمرار نضالهم من أجل سيادة لبنان، ومن أجل التوازن والميثاقية. لكن جوهر العقدة تكمن في قانون الإنتخاب الذي ينتج السلطات كافة. وعلى مذبح هذا القانون خيضت صراعات وفُصِّلَت مناطق وتركيبات.

فكيف يشهم قانون الإنتخاب في إعادة الميثاقية والتوازن والمناصفة، وبالتالي الدور المسيحي التاريخي في النظام السياسي اللبناني؟

 

الفرزلي: الخلل بدأ من التنفيذ المشوّه للطائف

دولة الرئيس إيلي الفرزلي، الذي لا ينفكّ منذ سنين يركز على النظام الإنتخابي باعتباره جوهر معضلة الميثاقية في لبنان، يشدد على أن "الداء" بدأ يضرب بالجسد اللبناني منذ اتفاق الطائف، حيث تم تنفيذ هذا الإتفاق برمته بشكل غير سليم من مرحلة 1989 حتى 2005. ويشير الفرزلي في حديث ل"اليوم الثالث" إلى أنَّ هذا التنفيذ غير السليم الى جانب أخطاء ارتُكبت آنذاك وأدت الى اعتبار المسيحيين في الدولة "كتفليسة"، توازى مع وضع قوانين انتخاب غير عادلة تمامًا ولا علاقة لها باتفاق الطائف، جازمًا أن المعيار الأول لتنفيذ اتفاق الطائف كان يجب ان يكون قانون الانتخاب الذي ينسجم مع روح الدستور والنص الدستوري.

 

ويضيف أن الطائف قام على أنقاض قانون الستين، علماً أن الطائف والستين نقيضان لا يمكن ان يجتمعا، لكن الذي حدث كان العكس، فكل أنواع قانون الستين وبكل اشكاله المختلفة وبصورة خاطئة أقيمت على أساسها الإنتخابات في لبنان. وفي العام 2005 استمرت السلطة في الإمعان في الخطأ. ويقول الفرزلي في هذا السياق إن النواب المسيحيين توزعوا على كل الطوائف الكبرى بنسبة أعداد هائلة، بحسب القانون الذي يعرف بقانون غازي كنعان، والذي أعطى 17 نائبًا مسيحيًا فقط من أصل 64.

لكن لماذا تحارب القوى المسيحية الستين وكانت نادت به؟

يوضح نائب رئيس مجلس النواب السابق "أن عندما خيرنا بين قانون الدوحة أو الستين، تم اختيار الستين لأنه وفق هذا القانون يرتفع عدد النواب الى 34 نائبًا. عندها تم إعادة زغرتا، الكورة، البترون، بشري، الأشرفية وجزين ليساهموا هم بإنتاج نوابهم، بعدما كانوا تابعين لطرابلس على سبيل المثال ومناطق اخرى. ولكن على رغم ذلك العدد ظل ناقصاً، لأن الستين لم يستطع أن يلبي الرغبة اطلاقاً.

 

الحيل لضرب التمثيل المسيحي

فأولاً تم زيادة عدد أعضاء مجلس النواب من 108 الى 128، 10 مسلمين و10 مسيحيين وقد دسّوا عن سابق إصرار وتصميم في مناطق ذات اكثريات أخرى لكي يتم التمكّن من نتائج الإنتخابات، من دون أن ننسى أنَّ حرب ال75 أدّت الى تغييرات هائلة فأضحت الدوائر الإنتخابية دوائر الأقليات المسيحية، الى جانب دوائر تتمثل بنقص ديمغرافي نتيجة التهجير. فالمسيحيون ينتشرون على 21 دائرة في لبنان، السنة والشيعة ينتشرون على 11 و12 دائرة، والأهم أن في لبنان دوائر سنة مسيحية، درزية مسيحية، شيعية مسيحية، ولكن لا وجود لدوائر شيعية سنية، أو سُنّية درزية، أو دزية شيعية، لذلك تم التمكّن من هذه الأقليات المنتشرة من قبل الأكثريات الموجودة وعبر تطبيق قانون الستين، وعدم إنتاج قانون يلحظ النسبية بين المناطق والنسبية بين الطوائف ويلحظ المناصفة وفعالية التمثيل كما ورد في وثيقة الوفاق الوطني واستنادًا للمحافظة بعد اعادة النظر في التقسيم الإداري". 

 

يقدم الفرزلي قراءة تاريخية سياسية لأسباب هذا الوضع.

فيقول إن هناك حقيقة علمية واضحة وصارخة تؤكد أن المسيحيين بين العام 1992 و2005، كانوا أعجز من التغيير الا من خلال صياغة علاقة مع السوريين. والقيادات السياسية التي كانت موجودة من المكونات الطائفية الأخرى كانت المستفيدة من توزيع الذمم، واستمرت في هذه السياسة مستفيدة من قانون الإنتخاب الذي نجح في حجب دور المسيحيين واخفى صوتهم.

 

يعود الفرزلي ليؤكد أهمية طرح اللقاء الأورثوذكسي، باعتبار أنه القانون الوحيد حتى اليوم الذي يؤمن التمثيل الصحيح والعيش المشترك، وهو القانون الوحيد الذي يعيد الحقوق للمسيحيين كاملة بنسبة مئة في المئة، ومن هنا كانت الحرب الشعواء ضد هذا الطرح على ما أشار الفرزلي، محذرّاً من التحايل المستمر لتضييع الوقت بهدف كسب دورة جديدة على قاعدة قانون الستين، من خلال حركة إنقلابية على الدستور يمنعها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إنطلاقاً من احترامه لقسم اليمين.

 

 

شمس الدين: موقع الخلل الديموغرافي وتحالف التيار - القوات

اليوم وفي ظل التحولات الديمغرافية، يؤكِّد الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لموقعنا، أنَّ المشكلة في قوانين الإنتخاب سببها هذا الخلل الديمغرافي، باعتبار أنَّ أي قانون إنتخاب لا يمكن أن يؤمن عدالة كاملة للمسيحيين، باستثناء طرح اللقاء الأورثوذكسي. أما في ما يتعلق بالقوانين المطروحة فجزم شمس الدين بأنها لا تؤمن التمثيل الصحيح، مؤكداً في الوقت نفسه أن الإتجاه اليوم نحو اعتماد القانون المختلط، لافتًا الى أن الإشكالية تكمن في التفريعات والتقسيمات، وإلى أن التفاصيل هي التي ستحدد حجم الكتلة المسيحية.

المشهدية المسيحية في السياسة اليوم يتقدمها التحالف بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ما أعطى إطاراً جديداً للصورة وزخماً للتمثيل المسيحي، يقول شمس الدين ويتابع حتى النتائج التي من المتوقع أن يحصدها الفريقان نتيجة هذا التحالف تبقى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ليس فقط بقانون الإنتخاب إنما بالتحالفات أيضاً، وخير مثال على هذا الأمر عروس البقاع زحلة، التي تتأثر نتائجها بالتحالفات التي سوف تحاك.

يبقى المتغير الأساس في استعادة الميثاقية، هو وجود رئيس للجمهورية مسيحي قوي حدَّد أولوياته بإعادة الحقوق للمسيحيين في لبنان من خلال تحصيل حقوق جميع مكونات الوطن وإقرار قانون إنتخابي عادل تحت سقف الدستور، تحت سقف بناء الدولة الحاضنة للجميع. في كل الأحوال، مسار عودة المسيحيين إلى الدولة بدأ في العام 2005، وهو في مسار تقدمي وليس تراجعياً.

  • حنان مرهج صحافية ومقدمة أخبار في إذاعة "صوت المدى"، وتراسل "اليوم الثالث".