الأزهر - القاهرة 

تتراوحُ إشكاليةُ المواطنة في عالَمِنا العربيّ اليوم، بين حَدَّي التحدِّيات والتهديدات لمفاهيمها الأساسية وكيفيّة تطبيقِها من جهة، وبين النوافذِ المطروحة من قِبَل أنظمةِ ما بعدَ الانتفاضات العربية، ومسارِ تجديد مفهوم الفكر الدينيّ الذي تقودُهُ وتسعى إليه المرجعياتُ القياديّة في العالم الإسلامي وفي طليعتها هذا الصرح الكريم من جهة أخرى. وما هذا المؤتمر والبيان الذي سيصدر عنه سوى خَطْوة متقدمة في مسيرة الألف الميل نحو هذا الاتجاه الذي نستشرق من خلاله المستقبل الذي ينتظرنا. ولقد أصاب هذا المؤتمرُ في عناوينه المطروحة، من الحرية الى المواطنة الى التكامل في التنوّع الى التأثير الذي تمارسه البيانات والتوصيات والفتاوى على النفوس والوقائع، المواضيعَ الأكثر حساسية والتي نحن بأمس الحاجة إليها في مشرقِنا العربي.

 

تفكك المجتمعات العربية

لكي نكون مُنصفين لا بل متسامحين، علينا أن نضع تحدّيات المواطنة في إطار المخاض التاريخي الذي تخوضُهُ المجتمعاتُ العربية منذ تشكُّلِ دُولِها الراهنة وحتى الإنتفاضات التي هزَّت الأنظمة، ومن ضمن ما تعانيه هذه المجتمعاتُ من تداعياتِ الصراعاتِ الدُّولية والإقليمية الحادّة وتفكُّكِ الدُّول المركزيّة خصوصًا في مجتمعنا الشرق أوسطي.

فأيُّ مواطنةٍ يُمكنُ أن تولدَ وكيف، فيما تغرقُ سوريا والعراق في الصراعات ذات العناوين المذهبيّة والطائفيّة والعشائريّة، وتتخبطُ ليبيا في تفككها واليمن في حروبه. ويَفرُزُ هذا التناحر، بتكافلِ قوىً إقليميّة ودوليّة، وحوشَ التكفير في نَسختها الأكثر بشاعةً واستفادةً مما أفرزَتْها العولمةُ والثورةُ التكنولوجية من أدوات؟ أيُّ مواطنة بما تفترضه من مساواة في الحقوق والواجبات، وارتباطِ الفرد بالدولة الوطنيّة الدُّستورية، ومن احترامٍ لكرامة الإنسان المقدسة وحقوق الجماعات واحترام الخصوصيّات الثقافيّة للإثنيّات والمكوِّنات التاريخيّة، في ظلّ هذا التحوّل في النظام الدُّولي، وفي الهوّة العميقة التي تفصِلُ مجتمعاتِنا عن المجتمعات المدنيّة المتقدمة؟

أضف إلى ذلك أنَّ دول الغرب التي كانت مثالاً يُحتذى في احترام حقوق الإنسان والفرد والمساواة والحريّات، بدأت تتضخَّمُ فيها تداعياتُ العولمةِ المقلقة، لجهة بروز الحركات اليمينيّة المتطرّفة، وتعيدُنا إلى صراع القوميّات والهُوّيات الذي مثَّلت الحربان العالميتان الأولى والثانية حدَّهُما الأقصى؟

لا نطرحُ هذه الأسئلة للتشكيك او للتشاؤم، بل مُنطلقًا للإطلالة على أوضاع المواطنة اليوم وآفاقِها. هنا، نميّز بين الظواهرِ التي تشهدُها وتَفرُزُها المجتمعاتُ العربية، وبين المسار الدُّستوري الدولتي.

 

صراع الهويات القاتلة

في الواقع الإجتماعي، ونحن في عصر عودة الدين بقوةٍ كعاملٍ محرِّكٍ للمجتمع، تعود الهُوّيّات للبروز في شكل فاقع وفي شكل صِدامي مع الهُوّيات الأخرى، فتزدهرُ العناوينُ العشائريّةُ والقبليّة والمذهبيّة والطائفيّة، ويُصَعِّبُ من مَهمَّة إرساء المواطنة المنشودة في بُعدها الدُّستوري والحقوقيّ.

نجد في المشرق العربي، وحتى في فترة ما قبل الإنتفاضات العربية، انطواءً للمواطنين إلى هُويّاتهم الأوليّة، وإلى الأُطر الجِزئية التي تُظهر هذه الهُوّيات، أي من خلال الجمعيّات والروابط والأحزاب ذات البعد العائلي أو العشائريّ أو الطائفيّ، بديلاً من الدولة الجامعة الحامية. اننا نعيش أزمة هُوّية لا بل حالةً من الانفصام في شخصيتنا الجماعيّة والاجتماعيّة فننادي بالحرية والمواطنة واحترام حرية المعتقدات الدينية، ونمارس الأحاديات الفكرية والإقصاءَ والتهميش لمن يختلف عنا. طبعا لا يمكن التعميم بشكل تبسيطي دون الدخول في تفاصيل الأمور، انما لا يمكننا أن نتغاضى أيضا عما يجري حولنا من تطرّف وتكفير وجهل لأبسط حقوق الإنسان في مجتمع مُتنوّع ومُعولَم. وأخشى أننا ما زلنا بعيدين سنين ضوئية عن مفهوم العيش معًا ونشرِه بين أبنائنا واحترام حقوق الآخر المختلف في إيمانه ومعتقداته، وتطبيق هذا الاحترام في عيشنا اليومي وممارساتنا الاعتيادية. من هنا تبرز أهميةُ دورِ رجال الدين ورسالتِهم في توعية بنيهم على المفاهيم الدينية الأصيلة التي تهدف الى خلاص النفوس وتقريبها من الله تعالى وليس الى قتلها او إقصائها او تكفيرها او تهميشها.

يتقاطعُ ذلك مع بروز ظاهرة التطرُّفِ الديني في شكل مُقلق، والذي يطرح نفسَه مقدِّمًا إجاباتٍ تبسيطيّة واختزاليّة لأسئلة الشباب العربي وتحدِّياته. ويستندُ إلى مقولاتِ "الحاكميّة" و"والولاء والبرَّاء" القُطبية وغيرِها من المصطلحاتِ التي تُدمِّر مفهومَ الدولة الدُّستوريّة الوطنيّة، الحاميةِ والمُكرِّسةِ للمواطنة. هذه التحولات ليست سوى نتيجةً لسقوط "الأمّة العربية" بعد هزيمة 1967 ولسقوط شعارات الوحدة والقوميّة تحت سنابكِ الإدارات الفاشلة للتنوّع الاجتماعي، ما فاقم من أزمة المواطنة.

 

أزمة المواطنة في تحولات المجتمعات العربية

أما في الواقع الدُّستوري في مرحلة ما قبل الإنتفاضات، فقد كانت مسألةُ المواطنة، في بُعدها لجهة المساواة، أمام تأزُّمٍ كبير نظرًا للصراع الذي دار بين الأحزاب الحاكمة العلمانية وبين الاتجاهات المجتمعيّة والدينيّة التي أصرَّت على مركزيّة التشريع الإسلامي في التشريع للدولة. أما لجهةِ مسائلَ الحقوقِ والواجباتِ والحريات، فالواقعُ المزرِي والمدمِّر، معروفٌ للقاصي والدَّاني.

 

أتى ذلك بعد تحولاتٍ أعادت واقعَ المجتمعات العربيّة إلى الخلف، بعدما كان قد سجَّل انطلاقةً واعدة في منتصف القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كانت نقطةُ التحوُّلِ مع مراسيمِ "التنظيمات" العُثمانية التي زرعت بذور المساواة في مجتمعاتٍ يغلبُ عليها الدينُ الإسلامي، وتقاطعت مع حركة التنوير والإصلاح التي قادها مُجدِّدون ومُصلحون نَفَذوا إلى عُمق مسائلَ الحداثةِ والمواطنة والتقدّم على المجتمعات الإسلامية، ودفعوا في اتجاه قيام دولٍ وطنية وفي تقديم اجابات عقلانية ومتنوّرة عن إشكالية علاقة الإسلام بالدولة والمواطنة.

ففي بداية القرن العشرين شهدت المنطقةُ العربيّة مرحلةً واعدة من الحكم الليبرالي ومن تأكيد البذور الأساسية للمساواة في ظل حياة برلمانية وتداولٍ للسلطة وانتخابات وما شابه من هذه الأمور، وكانت هذه المرحلة امتدادًا لعصر النهضة العربيّة التي تبلورت خصوصاً في القرن التاسع عشر والتي غَذَّاها وساهم في زيادتها طرحُ مُصلحين ومُجدِّدين من رجال الدين المسلمين.

 

وبعد النصف الثاني من القرن العشرين بدأت اشكاليةُ المواطنة بالظهور في شكل متأزِّمٍ ومقلقٍ في المجتمعات العربية ذلك أن الأنظمة السُّلطوية، والتي نشأت من أحزابٍ تُبشّر بالقوميّة وبالمساواة وبالمواطنة وبالديمقراطيّة، عادت وحُكِمتْ من قِبَلِ عصبيّاتٍ ومن قِبَلِ مجموعاتٍ عسكريّة راحت بدورها تُمارس سياساتٍ إقصائيّة وتهميشيّة في حقِّ مجموعاتِ الوطن ومكوِّناته. وفي هذا الإطار شهدنا ما شهدناه في المشرق العربي من تجاربَ أليمة للعلاقة المتأزِّمة بين الدولة الوطنيّة المحكومة من قبل احزابٍ قوميّة وعصبيّاتٍ وأنظمةٍ سُلطويّة عسكريّة وما لَحِقَها من قمعٍ في حق مكوّنات مجتمعيّة، وصولاً الى هذا التأزم الذي شهدناه في كل تلك الفترة. بُعَيد هذه المرحلة أتت الانتفاضات العربيّة لتعزّز طرحَ هذا السؤال في ظلِّ ما حَمَلَتْه الثورات من دعوات الى التغيير واعادة تأسيسٍ للدول العربية.

 

أين الإسلام من المواطنة؟

وهنا طُرحت من جديد إشكاليةُ دور الدين الإسلامي الغالب في العالم العربي في موضوع تحقيق المواطنة، ذلك ان الكثيرَ من دساتير الدول العربية طَرَحت أمورًا متقدّمة في موضوع المواطنة؛ ولكن في الوقت نفسه وضعت المواطنة امام واقعٍ حادٍ نظرًا لفِقدان عنصر المساواة في الكثير من الدساتير التي تنصّ على أن دين الدولة هو الإسلام، او تحوي نصوصًا معيّنة حقوقية تُأَثِّرُ على المواطنة كما في العراق في موضوع "أسلمة القاصر"، أو في مسألة عدم تمكن مواطنين من غير المسلمين في بعض الدول من تبوّء مراكز في الدولة، وبالتالي هناك ممارسة تمييزيّة على اساس الدين التي تنقُضُ بشكل مباشر أبسط مفاهيم المواطنة.

ولكن إن عدنا في التاريخ، نرى ان الأمور كانت منصفة عندما نذكر وثيقة المدينة التي عقدها النبي محمد مع غير المسلمين في مدينة يثرب، في المدينة المنوَّرَة، وقد نصّت هذه الوثيقة على حقوق غير المسلمين في الدولة. وقد كان لإعلان مراكش السنة الفائتة الدور الكبير في إعادة تسليط الضوء على هذه الوثيقة التي إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على ان طرح المواطنة كان متقدِّمًا في الدين الإسلامي الذي وضع منذ بداياته الأسس اللازمة والمفيدة لمعالجة مسألة المواطنة خصوصًا في مجتمع متنوّع.

 

واقع ما بعد الإنتفاضات العربية

مررتُ سريعًا لأصِلَ الى مرحلة ما بعدَ الإنتفاضات العربية، حيث برزت الى الواجهة دساتيرَ جديدة واعدة، إن في تونس حيث شدّد الدستور التونسي الجديد والذي صدر عام 2014 على توثيق الإنتماء الثقافيّ والحضاريّ للأمّة العربيّة والإسلاميّة، والوحدة الوطنية القائمة على المواطنة والأخوّة والتكافل والعدالة الاجتماعيّة، وفي الباب الأول والفصل الأول من دستور تونس، تمت الإشارة علنا الى أن "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلويّة القانون. لا يجوز تعديل هذا الفصل".

من تونس الى مصر حيث نجد ان نص الدستور المصري حدّد المبادئ الحاكمة لفهم علاقة الإسلام بالدولة في المرحلة الدقيقة الراهنة، وذلك في إطار استراتيجية توافقيّة، ترسُمُ شكلَ الدولة العصريّة المنشودة ونظامَ الحكم فيها، الى جانب دعم تأسيس الدولة الوطنية الدُّستوريّة الديمقراطيّة الحديثة، التي تعتمد على دستورٍ ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونيّة الحاكمة، بحسب الدُّستور المصري، ويحدد إطارَ الحكم، ويضمن الحقوقَ والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة بما يضمن لأتباع الديانات السماويّة الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية.

 

إشكالية الدساتير ودين الدولة

العلامات المضيئة في مفهوم المواطنة، ظهرت أيضًا في مسيرة الأزهر وفي دوره وفي كيفية تطرّقه بشكل فعّال لهذا المفهوم. فلجامعة الأزهر دورٌ فعّال كمرجعية دينية إسلامية مؤثرة في العالم العربي تطرح وثائق متقدمة في موضوع المواطن. إلا اننا ما زلنا نصطدم بإشكاليتين: الأولى تتمحور حول دساتير ترتكزُ على الإسلام دينًا للدولة وفيها ممارسات تمييزيّة، في مقابل دساتير واعدة تحاول أن تفسح المجال أمام الدولة المدنيّة التي تحترم كل إنسان وكل الإنسان بقطع النظر عن انتماءاته الدينية.

إن الرهان الكبير للمسؤولين السياسيين والمدنيين والحقوقيين والتربويين يبقى في كيفية ترجمة روح الدساتير الجديد في القوانين المرعيّة الإجراء وفي الأفعال والممارسات التطبيقية اليومية وكيف يمكن لكل هذا أن يدخل ضمن منظومة تربوية أوسع لكي تَجِدَ مفاهيمُ المواطنة مكانَها في رحاب مجتمعاتنا وفي عقول ونفوس الأجيال الطالعة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يبقى على الحركة الشبابية المدنية التي صنعت التغيير في السنوات الأخيرة، أن تتابع ملف المواطنة وتركيزَ آلياته. أما الرهان الأكبر في تنوير العقول وشرح المفاهيم الدينية الجوهرية والأصيلة، فيبقى على الصرح الاكبر في العالم الإسلامي عنيت به هذا المقام الفكري والديني الكريم وعلى الحكماء المسلمين ورجال الفكر المعتدلين.

 

رهان التجدد والتنوير

فضيلة الإمام الأكبر، حضرة العلماء المحترمين، إن العالم العربي والإسلامي يتطلّع إليكم في سؤال تاريخي ويحمِّلُكُم مسؤوليةً كبيرة في متابعة ما بدأتم به من حركة تنويريّة عقلانية آتية من لدن الإسلام، تستخرج الحلولَ لأَزْماتنا ولا تستوردُها. لا يمكننا أن نتّكل على أحد في مشروع الإصلاح والترميم والتوعية والتربية فنحن نعرف أبناءنا وأبناؤنا تعرفنا. لذلك نقول لكم باسم الشريحة المتألمة، أكملوا طريق التجدّد والتنوير، أعيدوا راية النهضة إلى الأزهر ومصر. في أيديكم مفتاح الإنقاذ والخلاص لهذا النفق المظلم الذي نمر به.

 

في الختام أشكر المنظِّمين ومجلس حكماء المسلمين وجامعة الأزهر على هذه المبادرة، على أمل ان تُسْتَكمل الخَطْوات لزيادة نسبة الوعي لدى شعوبنا في المنطقة لنشر مبادئ الحرية والمواطنة واحترام التنوع في مجتمعاتنا

  • أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط - أرسل لنا نص كلمته في مؤتمر الحرية والمواطنة الذي نظمه الأزهر في 28 شباط 2017.