مع إتمام تحرير مناطق سهل نينوى، تقدمت القوى السياسية المسيحية بمجموعة مطالب بشكل رسالة وجهت الى الرئاسات الثلاثة (رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء، مجلس النواب)، تمثل خارطة طريق لضمان عودة المهجرين الى مناطقهم. فوجدت تلك القوى العديد من الصعوبات والعقبات تقف أمام تحقيق هذه العودة، لذلك كان عليها طرح مشروع يغير الوضع القائم، في اتجاه خلق واقع جديد ينصف سكان المنطقة ويعيد اليهم جزءاً من حقوقهم المسلوبة.

 

ورقة النقاط السبعة

لخصت ورقة المطالب المسيحية بسبع نقاط، طالما كانت تأخذ حيزاً من نقاشات وتفاعلات مختلف القوى السياسية والأجتماعية والثقافية المسيحية، وكانت غالبية تلك القوى مجمعة على اهميتها لإنقاذ ما تبقى من وجود مسيحي، والحد من نزيف الهجرة والذي اصبح كابوساً يهدد بجدية هذا الحضور.

 

محافظة سهل نينوى

أولى النقاط كانت تفعيل قرار مجلس الوزراء باستحداث محافظة سهل نينوى وفك ارتباطها مع محافظة نينوى. ربما يمثل هذا المطلب العصب الرئيسي والأهم للنقاط السبعة. ففك الإرتباط سيوفر للمسيحيين قدراً كبيراً من الحرية أولاً في إعادة اعمار البنية التحتية لمناطقهم، والتي أُهملت ودُمرت عن قصد وغاية طيلة سنوات طويلة ومنذ عهد النظام السابق بغرض توفير مناخ ضاغط يساهم في اقتلاعهم من جذورهم، وبالتالي تشتيتهم في عموم البلاد أو خارجها وضمان عدم تجمعهم ضمن منطقة ادارية بذاتها.

 

هذا من جانب، ومن جانب آخر يتم وبشكل ممنهج إجبارهم على مراجعة مركز المحافظة في كل قضية صغيرة وكبيرة كانت، ما يتيح للسلطات ممارسة مختلف الضغوط لإرهابهم وإهانتهم. وفيما شكلت هذا المراجعات بعد سقوط النظام تهديداً على حياتهم وحياة اولادهم من الطلبة الجامعيين الذين كانت تمارس القوى النافذة في الموصل شتى انواع الاضطهاد بحقهم، بالإضافة الى انهم غدوا أهدافاً سهلة طالما تعرضت للإستهداف، وراح ضحيتها العشرات منهم.

لذلك فإن تشكيل المحافظة بدوائرها المختلفة الإدارية والتعليمية والخدماتية وغيرها، وإعادة ربطها مباشرة بالحكومة المركزية، سيخدم ابنائها في نواحٍ عديدة خدماتية وإنمائية، إضافة الى توفير فرصة لأبنائها لممارسة دورهم في ادارة منطاقهم بأنفسهم وبالشكل الذي يجدونه مناسبا لإعادة الإعمار بعد الخراب الذي حل بها.

 

الحماية الأممية والابتعاد عن صراع المركز والإقليم

على الرغم من تحفظ الكثرين على توفير حماية أممية للمنطقة، إلا أن ضمان عودة أهالي المنطقة وإعادة ثقتهم بجيرانهم أولاً، وبمختلف القوى التي تعهدت حمايتهم وادارت لهم وجهها في الوقت العصيب ثانياً، لن يتم الا بوجود طرف ثالث يكون محل ثقتهم ولا مصلحة له ضمن اللعبة السياسية الداخلية، وهذا اهم ما سيوفره الوجود الاممي كضامن لعدم تكرار ما حصل،.فعلى الأقل لن يجدوا انفسهم لوحدهم في الميدان مرة أخرى، أما من يتحدث عن وجود اجنبي أو تدخلات خارجية في المنطقة فهي مزايدات لا قيمة لها، لأن الوجود الأجنبي في البلاد هو واقع حتما.

من جهة أخرى، فإن إبعاد المنطقة عن الصراع بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان، والذي سيوفر الغطاء الدولي ضمانة له، يسهم في تجنيب تحويل المنطقة لساحة صراع للطرفين، كما كانت منذ 2003 ما أهدر العديد من الفرص والأموال التي خصصت لتطوير البنية التحتية والخدماتية المتهالكة. فيما ستستغل جهود ابنائها ايجابياً، بدل جعلهم وقوداً رخيصاً في صراع الطرفين كما حدث طيلة السنوات العشرة الماضية.

 

الخطوة الثانية

إن تجاوز الأحزاب السياسية لتناقضاتها وخلافاتها، وصياغتها ورقة النقاط السبعة كانت خطوة إيجابية فاعلة على الطريق الصحيح. والآن من الضروري استكمالها بالعمل سوياً لتحقيق تلك النقاط، واطلاق خطة عمل توزَّع فيها الأدوار على الجميع من اجل الوصول الى الهدف المرجو، وعدم ترك المبادرة في وسط الطريق وكأنها جاءت فقط لرفع العتب والمزيادات إحداها على الآخرى، وعليها إدراك أن الأجواء الحالية لم تعد في مصلحة الجميع ان لم يكونوا جديين صادقين في طروحهم.

 

التحرك الإقليمي في اتجاه مراكز القوى السياسية المسيحية المشرقية، اصبح ضرورة لتوحيد الجهود في زمن غدت القواسم المشتركة من مخاطر وتهديدات تطال الجميع أكثر من أي وقت آخر. لذلك على الأحزاب المسيحية العراقية التفكير جدياً في بناء علاقات متينة مع مثيلاتها اقليمياً، فينهض احدهما بالآخر وكل حسب تأثيره، فمصير المسيحية في الشرق اصبح على المحك، والتضافر خطوة لا بد منها.

كما عليها التحرك في الوقت ذاته دولياً في اتجاه مراكز صنع القرار العالمية، كأقلية مستهدفة مورست على ابنائها عملية تطهير عرقي، خاصة مع وجود تعاطف عالمي وقناعة بحجم الإستهداف الذي تعرضت له، فمن المهم اذن استغلال ذلك بشكل فعال لتحقيق ضغط على الحكومة العراقية يؤدي الى تنفيذها ما طرحته القوى على الأرض من مطالب.

 

ضعف استغلال الإعلام

 وعلى رغم أهمية النقاط السبع المطروحة وخطورتها في تحديد المستقبل المسيحي في ارض الرافدين، الا أن ما يلاحظ ان هناك ضعفاً إعلاميا تتحمله تلك القوى في التعاطي مع ورقة المطالب، وكأنها طويت بعد اعلانها ووضعت في ادراج الرئاسات الثلاثة مذيلة بعبارة "للحفظ"، والتي اعتادت القوى السياسية الكبرى على التعامل بها مع المكونات الاخرى بالبلد.

من هنا على القوى المسيحية متضامنة إكمال الطرق وتكثيف الجهود، ووضع برنامج فاعل للضغط اعلامياً، وفي الوقت ذاته عليها ان تفضح علناً أسلوب تعامل القوى السياسية الكبرى مع مطالبها، ولا تجعل تحركاتها محكومة بحسابات سياسية من هنا أو هناك طالما أضعفت مواقفها وأظهرتها بمظهر التابع لتلك القوى.

 

دور الكنيسة

إن المطلوب من الكنيسة بمختلف طوائفها اليوم ألا تقف حجر عثرة في وجه هذا المشروع، وأن تكون داعمة بكل نفوذها وتأثيرها في مراكز القرار داخلياً وخارجياً، وان تعي أن الجميع على مركب واحد وغرق المركب يعني تشتت وفقدان الشعب، والذي يمثل عصب الحياة لكل المؤسسات ومنها الكنيسة. فعليها أن تحسم خياراتها وتحدد وتوحد موقفها، وكذلك الأحزاب عليها أن تنفتح بشكل أكبر على الكنيسة، وتضعها في محور تحركاتها.

 

ومن هنا فعلى جميع القوى والمؤسسات العمل جدياً لتوحيد الرؤية السياسية التي تقود الى الحل النهائي، والذي يضمن وجوداً مسيحياً مستمراً ومستقراً غير مهدد بتهجير أو اقصاء، من خلال مشروع يمثل الفرصة الأخيرة، ربما خطت الأحزاب خطوتها الأولى نحوها فوحدت خطابها وأطلقت مبادرتها لتمنح بارقة أمل على المؤسسات الأخرى تلقفها ومساندتها لجعلها واقع ينقذ ما تبقى من وجود مسيحي على أرض الرافدين.

* كاتب وصحفي عراقي