كثيرًا ما يحتار المرء عند التفكّر بمسألة الإصلاح الديني الإسلامي وبالجهة الأفضل لإطلاقه:

هل السلطة الدينيَّة هي الجهة الأصلح لذلك، أم السلطة السياسيَّة، أم أنّ الإصلاح يجب أن يأتي من خارجهما أي من النخب الفكرية والثقافية، ومن عامّة الناس (من خلال نمط حياتهم وخياراتهم الشخصيَّة)؟

  شرائح عديدة تطالب بإصلاح السلطة الدينيَّة، وهي التي تقدّم نفسها دوماً على أنّها حامية الدين القويم، بأنْ تلعب هذا الدور في المبادرة للإصلاح قبل فوات الأوان (أنظر مثلًا مقالنا على موقع "اليوم الثالث" بعنوان "إلى الأزهر: إذهب إلى الثورة الهادئة"). آخرون يرون أنّ السلطة الدينيَّة عاجزة عن الإصلاح بسبب الإنقسامات الشديدة وسطها، ورغبتها بالمحافظة على سطوتها على الناس، ولخوفها من ردَّة فعل الجماهير (أو تلك التي يطلق عليها أحد السفراء الفرنسيّين "أورثوذكسيَّة الجماهير")، ولهذا يدعون السلطة السياسيَّة لأن تفرض الإصلاح الديني فرضًا ليس فقط على السلطة الدينيَّة بل على الجماهير أيضًا، كما كان الحال مع نموذَجَين هما: البورقيبيَّة في تونس، والأتاتوركيَّة في تركيا.

 

إصلاحيون من رجال الدين     

 لنتأمّل في هذَين الموقفَين. صحيح، إنَّ السلطة الدينيَّة في الإسلام (أكان سنيًّا ام شيعيًّا) لم تنجح نجاحًا لافتًا في تجديد خطابها الديني وعقيدتها.

فالإكليروس الشيعي – على الرغم من تنوّعه – أنبت الظاهرة الخمينيَّة التي قالت بولاية الفقيه دامجة في شخص الإمام السلطتين الدينيَّة والزمنيَّة رابطة مصير الدولة كلها بمجيء المهدي المنتظر. والسلطات الدينية السنيَّة – من الأزهر وصولًا لهيئة العلماء المسلمين (الشيخ القرضاوي) مرورًا بالحركات الإسلاميّة الأصولية والسلفية والجهادية والتكفيرية التي تتكلم كلها بإسم الإسلام – لم تنجح في أي مكان في إحداث إصلاح وتجديد حقيقي على مستوى العقيدة وعلى مستوى تجديد مفهوم علاقة الدين بالدولة والانفتاح على الآخر وعلى مسائل الحداثة والتطور. غير أنَّه لا يمكننا إنكار واقع أنّ عددًا من المتنوّرين المسلمين، على قلّتهم، كانوا من خرّيجي هذه المؤسسات الدينيَّة الكبرى لا سيَّما الأزهر من مثل علي عبد الرازق، ومصطفى عبد الرازق وطه حسين وغيرهم.

 

من هنا لا يمكننا أنْ ننكر الدور المهمّ الذي يمكن لهذه السلطات لعبه في سبيل الإصلاح. لا ضير من التذكير هنا أنّ العديد من رواد النهضة الأوروبيَّة الفنيَّة والأدبيَّة كانوا من طلبة وكهنة ورهبان وقساوسة الكنيسة من مثل كوبرنيكوس، وإيرنست رينان، وبعض البابوات. وبالتالي: نعم يمكن أحيانًا للسلطة الدينية، على ثقلها، أنْ تكون مساحة للمساهمة في الديناميَّة الإصلاحيَّة الدينيَّة. لكن طبعًا، علينا أنْ نكون واعين لواقع أنَّ جزءًا كبيرًا من هذه السلطة سيكون مدافعًا شرسًا عن الخطّ التقليدي حيث يعطي الدين أولويَّة في الحياة على كلّ شيء بما فيها الإنسان بحدّ ذاته.

 

بين أتاتورك وبورقيبة  

فيما خصّ الرأي الآخر القائل بأنّ الإصلاح في الإسلام لا يمكن أن يتمّ إلَّا بالقوَّة ومن خلال السلطة السياسيَّة، فصحيح أنَّ نموذجي البورقيبيَّة والأتاتوركيَّة حققا عددًا من الإنجازات من مثل القوانين المدنيَّة للأحوال الشخصيَّة واعتماد قوانين وضعيَّة مستمدَّة من العقل الإنساني وليس من الشريعة الإسلاميَّة، وخلق شريحة واسعة من المواطنين المقتنعين بالعلمانيَّة، غير أنَّ كليهما لم ينجح في الفصل الواضح بين الدين والدولة وتكريس الديمقراطيَّة وحماية الحريَّات الفرديَّة.

 

فمثلًا، الرئيس بورقيبة كان يعتبر نفسه "الإمام الأكبر"، وكان يصرّح بأنَّ ما يقوم به هو مدرسة جديدة في تفسير الإسلام بما يتناسب وعصرنا. هذا إضافة إلى المنحى الإستبدادي الذي أخذه حكم بروقيبة ما جعل كل إنجازاته "العلمانيَّة" في مهب الريح. الملاحظة نفسها تنطبق على أتاتورك. فهو فرض العلمانيَّة فرضًا استبداديًا على الأتراك معتمدًا النموذج الفرنسي. غير أَّن هذا التطبيق لم يكن سليمًا ذلك أنَّ العلمانيَّة الفرنسيَّة تقوم على مبدأ محوري هو احترام "حريَّة الضمير" لكلّ مواطن فرنسي ومعاملة المواطنين كلّهم على قدم المساواة.

وهذا لم يكن أبدًا موضع تطبيق في تركيا حيث تمّ اضطهاد الأرمن والأكراد وترسيخ نظام ديكتاتوري بعنوان علماني، ضاربًا بعرض الحائط بمسألتي "حرية الضمير" والمساواة بين المواطنين الأتراك (من ترك وأرمن وأكراد وعلويين). أكثر من ذلك، لقد قام أتاتورك باستعمال الدين الإسلامي، كما فعل بورقيبة، في خدمة مشروعه السياسي، رابطًا بين "الأمة التركيَّة" بـ"الإسلام السني" بالتحديد. وبالتالي جاء تطبيق العلمانية مشوّهًا، وهذا تمامًا ما أدى إلى عودة الإسلام السياسي إلى الحكم والذي نرى حاليًّا مع الرئيس أردوغان سرعة هبوط تركيا كنموذج إسلامي ناجح للحداثة.

 

شراكة العالِم والحاكم   

الخلاصة التي يمكن الخروج بها بعد هذا التأمل هي التالية: إنَّ الإصلاح الديني هو عمليَّة جدليَّة تبدأ من بعض أعضاء "الكنيسة" الإسلاميَّة (وهي موجودة بالواقع كما يؤكّد ذلك محمد أركون وجمال البنا، بخلاف ما يدَّعيه شيوخ الإسلام الذين يريدون التهرّب من العلمانيَّة) لتتشابك وإرادة صادقة من الحاكم بعدم استغلال الدين لمصالحه السياسيَّة، وليتمّ دعمها أيضًا من قبل النخب الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة بتلويناتها كافَّة. هنا أيضًا يجب أنْ لا يتمّ تهميش عامّة الناس وكيفيَّة تفاعلها الإيجابي مع هذه الحركة الإصلاحيَّة.

هذا التفاعل يكون بالتمييز بين دائرة الإيمان ودائرة المعرفة، واعتماد نمط حياة حديث يتناسب وحاجاتنا ومطلباتنا وتحديات عصرنا.

  • أستاذ جامعي متخصص في التاريخ