قد يكون أهمّ في يحصل حاليًّا في إطار النقاش الدائر حول مشاريع القوانين الإنتخابيَّة، هو دخول العلمانيَّة طرحًا جديدًا في الخطاب السياسي اللبناني. فخلال جولته يوم الأحد 26 آذار 2017 في منطقة الزهراني اعتبر وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل أنّ التفكير بالنسبيّة الكاملة يجب أنْ يُرفق بعلمنة النظام وإقرار قانون مدني موحّد وإلزامي للأحوال الشخصية في لبنان. فللمرّة الأولى، تدخل العلمانيَّة إلى ساحة النقاش الانتخابي بعد أنْ كان العديدون يُشَيْطنونها.

 

        المهمّ في كلّ هذا الأمر انّ هناك طرحًا إصلاحيًّا تحديثيًا جديدًا مثيرًا للاهتمام دخل إلى المعترك السياسي اللبناني. وهذا الطرح يتطرق لأخطر مسألة في النظام السياسي اللبناني: ما هي المعادلة الجديدة التي يجب بلورتها من أجل إعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة في لبنان – أو لنكن أكثر دقّة – إعادة صياغة العلاقة بين الطوائف والدولة في لبنان؟

 

خطورة سيطرة الطوائف

طبعًا، الهدف من هذا الطرح ليس إلغاءً الطوائف، ولا إضعافًا لدورها ولمكانتها في الوطن اللبناني. الهدف هو إعادة صياغة لعلاقاتها ببضعها البعض ولعلاقتها بالدولة اللبنانيَّة بشكل يحرّر الدولة من الممرّ الطائفي، ويحرّر الطائفة ودورها من المنزلقات السياسيَّة. لنكن أكثر وضوحًا: لبنان قام على لقاء ما بين الطوائف، وبالتالي كلُّ عمليَّة لإلغاء الطوائف ستكون ضربًا لجوهر لبنان كمساحة حريَّة ولقاء وتنوّع وجمال وانفتاح. غير أنّ المشكلة الواقعة هي أنَّ طائفة ما أو مجموعة طوائف، يتصرفون كجماعات سياسيَّة بحيث يكون الهدف دومًا إمَّا السيطرة على الدولة، وزإما شلّها وتعطيلها من خلال حقّ هذه الطائفة أو تلك بالفيتو.

       

أكثر من ذلك، فإنّ كلّ طائفة تلعب دور الممرّ القانون والسياسي والشخصي اللازم لكي يتمكَّن الفرد اللبناني من التواصل مع دولته اللبنانيَّة. وبالتالي يُحرَم اللبنانيُّون من حقوقهم كمواطنين لمصلحة حقوق طوائفهم. إنَّ ميزان القوى هو هنا لمصلحة الجماعة الطائفيَّة، حيث تلعب هذه الأخيرة الدور الأقوى والاهم، في وقت يتمّ فيه سحق الفرد (المجرّد واقعيًّا من مواطنيته – أي من علاقته المباشرة بالدولة) وشلّ الدولة.

       

إذًا نحن بحاجة لمعادلة جديدة، تسمح للفرد بالتمتّع بمواطنيَّته مباشرة من دون أي واسطة بينه وبين دولته. وهنا، لا معادلة أفضل من العلمانيَّة لتكريس المواطنة والمساواة،  ضمن إطار حريَّة الضمير والتعبير والرأي.

       

العلمنة في لبنانٍ طائفي؟

هنا سؤال بديهي يُطرح: كيف يمكن المواءمة ما بين دولة نظامها علماني وبنية مجتمعيَّة طائفيَّة؟ أو بكلام آخر، كيف يمكن المصالحة ما بين حق كلّ فرد لبناني بأنْ يكون مواطنًا لبنانيًّا كامل المواصفات، وحقّه أيضًا بأنْ يبقى جزءًا من جماعة دينيَّة طائفيَّة؟ هناك محاولة جواب على ذلك:

فالعلمانيَّة المطروحة في لبنان لن تكون علمانيَّة مستوردة (على الطريقة الفرنسيَّة أو التركيَّة). إنّها علمانيَّة متأقلمة مع واقع المجتمع اللبناني والمحيط الشرقي العربي. علمانيَّة أطلقنا عليها في كتابنا تسمية "علمانيَّة من عندنا". فهي من ناحية تميّز بين الطوائف والدولة وبين أي دين والدولة، بشكل يكون فيه كلّ لبناني مواطنًا كاملًا متساوي مع اللبناني الآخر في الحقوق والواجبات. ومن ناحية ثانية، هي علمانيَّة تحافظ على الطوائف بمعنى الحفاظ على هذه الطوائف إنما ضمن إطارها الروحي والثقافي. إنّها علمانيَّة تمنع العمل السياسي من خلال الإطلالة الطائفيَّة، بحيث لن يكون بإمكان أحد استغلال المشاعر والغرائز الدينيَّة والطائفيَّة في العمل السياسي، لكنَّها في آن علمانيَّة تعترف بالطوائف وتحميها من هيمنة بعضها على بعض، ومن كل هيمنة. وعليه، فإنَّ الطائفة ستبقى مؤسَّسة روحيَّة، وسلطة أدبيَّة، ومعنويَّة، وثقافيَّة. لا بل إنَّ كلّ طائفة ستستطيع أنْ تحتفظ بمؤسّساتها التعليميَّة والاستشفائيَّة والثقافيَّة والبحثيَّة بحيث تخدم الانتماء الجماعي لكل فرد منها.

        أمّا الدولة، والإدارة، والقوانين، والمدرسة العامّة، والجامعة العامّة، وعلاقة اللبنانيّين بعضهم ببعض وبالدولة، فإنّها ستكون خاضعة لقوانين وضعيَّة قائمة على قاعدة المواطنة والعقل والمنطق والحداثة والتطور وحاجات العصر. على أنْ يتمّ على المدى الوسيط والطويل العمل على عَلْمَنَة ليس فقط الدولة، بل أيضًا المجتمع والثقافة والفكر. وبالتالي لا نقع بفخ إلغاء الطائفيَّة السياسيَّة، بل نذهب من الطائفيَّة كنظام شامل لنصل إلى برّ العلمانية الشاملة.

       

التربية والأحوال الشخصية المدنية

هنا نقترح مسارَين مُتلازمَين: مسار "علمانيَّة من فوق" تقوم على إصدار قوانين تُعَلْمن الحياة السياسيَّة والحزبيَّة والشخصيَّة في لبنان من مثل القانون المدني الموحّد للأحوال الشخصيَّة، وقانون علماني حديث ومتطور للأحداث، وقانون انتخابات مُتدرّج يأخذنا لتكريس علمانيَّة المجلس النيابي، وعَلْمَنَة كلّ القوانين التي لها علاقة بالدولة وبالمجتمع؛ ومسار "علمانيَّة من تحت" تتمّ على المدى الوسيط والطويل ويكون هدفها خلق جيل جديد من اللبنانيّين قادرًا على أخْذ لبنان باتجاه الحداثة والانفتاح. وهذا المسار يقوم على أساسَي "التربية في المدرسة"، و"الثقافة في الجامعة"، و"خلق ديناميَّة ثقافيَّة وفكريَّة تساهم في عَلْمَنَة العقل والفكر اللبناني، بحيث نُصالح ما بين "النفوس والنصوص" كما كان يقول البطريرك الماروني نصرالله صفير.

 

هيا إلى ورشة عمل علمانية   

هنا، أقترح تشكيل لجان حزبيَّة وفكريَّة وثقافيَّة، بحيث تضمّ الخبراء والمفكّرين والمخطّطين والمتخصّصين وأصحاب الرأي، يضعون سويًّا خطّة طريق واضحة للانتقال من الحالة الطائفيَّة في لبنان إلى الحالة العلمانيَّة. ذلك أنَّ هذه الخطة بضخامتها تتعدّى قدرة الأفراد أو الأحزاب أو الجماعات. بهذا نُحضّر لتلك الهيئة التي يقول بها الدستور اللبناني الهادفة لإلغاء الطائفيَّة (المادة 95). لعمري إنَّ ديناميَّة كهذه، وخطة كهذه ليست كفيلة فقط بإخراج لبنان من حالته المهترئة، بل هي قادرة على جعله من جديد نموذج يُحتذى ليس فقط في دول الشرق المتلهفة لأفكار جديدة، بل أيضًا لدول ما يُسمى العالم المتحضّر في أوروبا وأميركا التي باتت هي بدورها على حافة تصدّعات شديدة الخطر قد تخرجها من حالة الاستقرار والتقدّم التي عرفتها بعد الحرب العالمية الثانية.

*أستاذ جامعي متخصص في التاريخ والفكر الإسلامي