أيام قليلة وتستقبل القاهرة البابا فرنسيس الأول، بابا الفاتيكان، تلبية لدعوة عبدالفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية. تعد زيارة "فرنسيس" هي الزيارة الرسمية الأولى له لمصر، منذ توليه كرسي بولس الرسول، وقد استعد للزيارة كل من الرئاسة المصرية والكنيسة القبطية والأزهر الشريف والأجهزة الإعلامية والفضائيات المصرية والأجنبية، وذلك بالتنسيق مع مكتب الفاتيكان منذ الإعلان عن الزيارة.

 الزيارة المرتقبة وبحسب بيانات رسمية، ستشمل ثلاثة محطات يبدأها بابا الفاتيكان بمؤسسة الرئاسة حيث سيستقبله الرئيس "السيسي" فور وصوله مصر، بعدها زيارة للبابا تواضروس الثاني بمقر الكاتدرائية بالقاهرة وهي محطة الزيارة الثانية، على أن تكون المحطة الثالثة والأخيرة في مقر مشيخة الأزهر حيث يكون في استقبال الوفد الفاتيكاني الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب.

 

زيارة الدعم لمصر

إذاً الحديث حول القيمة، (أو الأهمية إن صح التعبير) لهذه الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس للقاهرة فهي عديدة، وتأتي في مرحلة هامة وحرجة من عُمر شعوب المنطقة العربية. بداية من كون أن تأتي الزيارة تلبية لدعوة الرئيس "السيسي" نفسه فهي لها عدة مدلولات، خاصة في هذا التوقيت الحرج من تأريخ وإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وظروف وتحديات مصر وإنجازها العديد من النجاحات السياسية والاقتصادية بشكل خاص. فالجميع يعلم جيداً وعلى مرأى ومسمع كافة التحركات المصرية الخارجية برعاية رئيس الجمهورية، والحكومة في المحافل الدولية، لاستعادة وعودة مصر لدورها ومكانتها الإقليمية والمحورية بالمنطقة والعالم أجمع، بعد فترات من التوتر صنعتها الأنظمة السابقة والأحداث السياسية التي غيرت من خريطة العالم خلال السنوات السبعة الأخيرة. وأصبح من الواضح للكافة أهمية مصر وقوة تأثيرها في الشرق الأوسط، ونجاحها في وقف زحف التيار المتأسلم وإسقاط حكمه بثورة عارمة شارك فيها مسيحييها ومسلميها منذ أربعة أعوام. وبالتالي البابا فرنسيس يعلم جيداً مدى تأثير مصر (الدولة والكنيسة والشعب) في الحفاظ على استمرار التوزان بالمنطقة بين المسلمين والمسيحيين، خاصة وأن "أم الدنيا" تحتضن بين أبنائها أكبر نسبة من المسيحيين في الشرق، بالمقارنة بالمصير المجهول لمسيحيين العراق أو سوريا.

 

وبالنظر لهذه الزيارة الهامة نظرة "إستغلالية" وأقصد هنا طبعاً (الإستغلال الإيجابي) وإنتهاز فرصة وجود شخصية عالمية متمثلة في شخص البابا فرنسيس، يراه ويهتم بأخباره المليارات من البشر حول الأرض، وبالتالي هناك العديد من المكاسب والفُرص ستنهار على مصر، والتي يجب استثمارها بشكل إيجابي وعلى الحكومة وبرلمان مصر بالاضافة للكنيسة المصرية وأزهرها الشريف، أن يدركوا ذلك جيداً، ويستعدوا لوضع خطة متكاملة في هذا الشأن من قبل المسؤولين على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية.

 

البُعد الإقتصادي والسياحي

فإذا نظرنا إلى المكسب الاقتصادي لمصر من هذه الزيارة، فإن وجود "فرنسيس" على أرض حضارة السبعة آلاف سنة يرسل للعالم رسالة قوية بأن مصر لازلت عفية وآمنة، وتفتح أبوابها لاستقبال أفواج السُياح من كافة ربوع الأرض، وتدعو رجال الأعمال والشركات الاستثمارية للبناء والتعاون الاقتصادي الأجنبي المصري

 

زيارة لصالح الأزهر

وعن المكسب الديني لصالح مؤسسة الأزهر والذي يُعد المنبر الوسطي للإسلام، فالأزهر عليه دور هام وصعب في هذه الفترة الإستثنائية من عمر الشعوب العربية بضرورة تحركه بشكل قوي وسريع في تجديد الخطاب الديني داخل مصر وخارجها، بعد الحروب والدمار التي قادها هؤلاء الظلاميون بالقتل والدمار والإغتصاب متخذين من الدين شعاراً وستاراً لهم لإخفاء أغراضهم السياسية المدفوعة من المخربين لصالح دول أخرى.

 

وتعتبر زيارة "فرنسيس" لشيخ الأزهر، هي رد للزيارة التي قام بها أحمد الطيب العام الماضي، وذلك بعد سنوات من تجميد حوار الأديان والعلاقات بين الأزهر والفاتيكان منذ سبتمبر 2006. إذن لقاء "الطيب" بـ"فرنسيس" ليست الأولى، وبالتالي هناك ملفات تم فتحها منذ عام، سيتم استكمالها بين الطرفين والوقوف على ما تم إنجازه. وبالتالي فإن وجود بابا الفاتيكان بمشيخة الأزهر بالقاهرة له أبعاده السياسية والدينية ليس على مستوى مصر وحدها، أو مسلمين مصر وحدهم. الزيارة باختصار اعتراف مسيحي رسمي بأن "الإسلام" برئ (بإعتراف المسيحيين أنفسهم) لما يتعرض له مسيحيين الشرق الأوسط من إبادة في العراق وسوريا.

 

العلاقة بين الكنيستين الكاثوليكية والقبطية

أما عن دور الكنيسة المصرية وضرورة استثمارها للزيارة، فهناك عدة ملفات ونقاط للمناقشة بين بابا الشرق وبابا الغرب والتاريخ المشترك بينهما، فعلى مدار أربعة عقود بدأت العلاقة بين الكنيستين في التقارب وفتح الحوار في القضايا اللاهوتية بين الكنيستين، وتعد الزيارة الأشهر التي قام بها البابا شنودة الثالث، بزيارة كرسي روما مدة أسبوع كامل في 1973 فى ضيافة البابا بولس السادس. وخلال هذه الزيارة استعاد البابا شنودة رفات للقديس أثناسيوس أثناء الاحتفال بذكرى مرور 16 قرن على نياحته.

 

وقد تُوجت الزيارة بتوقيع رئيسي الكنيستين بياناً مشتركاً، وفيه تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة مهمتها "توجيه دراسات مشتركة فى ميادين: التقليد الكنسي، وعلم آباء الكنيسة، الليتورجيات، واللاهوت، والتاريخ، والمشاكل العلمية، حتى إنه يمكننا بالتعاون أن نسعى معاً لحل الخلافات القائمة بين كنيستينا، بروح الاحترام المتبادل، بل ونستطيع أن نعلن معاً وسائل الإنجيل التى تتطابق مع رسالة الرب الأصيلة ومع احتياجات عالم اليوم وآماله." فهل سيكمل "فرنسيس" و"تواضروس" ما بدأه سابقيهم منذ أكثر من 40 عاماً.

بعض القضايا الحديثة بين الكنيستين أيضاً تمثلت في بعض التساؤلات اللاهوتية والعقائدية، مثلاً ما يثار حول ضورة الإتفاق بشأن توحيد عيد القيامة بين الكنيستين. وتنظيم الصلوات المشتركة بين الكنائس في مصر، وهو ما يتم تنظيمه تحت رعاية "مجلس كنائس مصر" الذي افتتحه بابا مصر في 2013، وكان سبباً في التقارب بين قيادات الكنائس المختلفة.. وبالتالي شئنا أم أبينا، وأمام التغيرات التي يمرّ بالعالم أجمع، فنحن أمام مرحلة تاريخية جديدة من الحوار اللاهوتي بين باباوات مصر وروما حفاظاً على وحدة الكنيسة.

 السؤال الآن وباختصار؛ كيف استعدت مصر لاستقبال شخصية العام بالنسبة لها، متمثلة في البابا فرنسيس الأول؟ وكيف ستستثمر الحكومة المصرية والأزهر والكنيسة الزيارة؟

  • رانيا نبيل صحفية مصرية.