للإنصاف فقط، علينا الاعتراف كمراقبين أنّ ما سُمّي بـ"الربيع العربي" لم يكن خريفًا فحسب، بل إنّه شكّل أيضًا، رغم كلّ مآسيه، فرصة للفضاءين العربي والإسلامي لإعادة النظر بذاتهما وحالتهما السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة والفكريّة. قد يقع الأزهر وسْط كلّ هذه التحديات لما يمثّله أوّلًا من تاريخ عريق يمتدّ لأكثر من ألف عام، وثانيًا من مكانة مرجعيّة تجعله، إلى حدّ ما، يلعب دور السلطة الدينيَّة والفكريَّة والشرعيَّة وسط الإسلام السُني، وثالثًا من موقع في القاهرة بما تمثّله هذه العاصمة من قيمة وأهميَّة سياسيَّة عربيًّا وإسلاميًّا.

 

المنظومة الإسلامية ومواكبة العصر؟   

قد تكون أحدّ أهمّ التحديَّات التي يواجهها الأزهر حاليًّا هي إعادة النظر بما كان المفكّر الإسلامي جمال البنا يدعوه بـ"منظومة الفكر الإسلامي". نعم، لقد بات من المتعارف عليه فيما بين الباحثين الرصينين في شؤون الإسلام كافَّة أنَّ هذه المنظومة باتت تنتمي إلى عصر ماضي سحيق. وهي بالتالي هي مؤهّلة البتّة لتكون أداة فعّالة في خدمة إنسان اليوم، وخاصَّة في خدمة مسلم اليوم الذي يعيش في عصر يقوم على أعمدة أساسيَّة من مثل الحداثة والتعدديَّة والحريَّات بكافَّة تفريعاتها. فمن يمكنه أنْ يتخيّل اليوم العيش من دون كمبيوتر، أو من دون هاتف ذكي يتواصل من خلالهما بالعالم أجمع. ومن يمكنه أنْ يتخيّل اليوم عالمًا أحاديًّا لا يعرف التنوّع الإثني والثقافي والفكري والفني والديني والحياتي. ومن يمكنه اليوم أنْ يتصوّر حُكمًا يقوم على الرجل الواحد والحزب الواحد والعقيدة الواحدة والدين الأوحد.

 

أزمة التراث والتجديد   

إنّ هذه التحديَّات كلّها تصطدم، داخل الأزهر بالذات، بعناد تيّار التراث. صحيح أنّ التراث الإسلامي هو تراث ضخم جدًّا، لكنّ، هل يمكننا أنْ نقدّس هذا التراث ونرفض أي عمليَّة نفض له؟ ما هي قيمة التراث إنْ لم يكن محاكاة مع الماضي، ومصالحة مع الحاضر وتواصل مع المستقبل؟ هل التراث هو صنم للعبادة؟ أم هو إرث وجب علينا نفض الغبار عنه، واستذكاره، وأخذ المفيد منه وإهمال ما يعيق حياتنا وتقدمنا وانفتاحنا على الآخر؟

 

هنا بالذات التحدّي الذي يواجهه الأزهر. إنّه هذا القرار بإخراج التراث الإسلامي من قدسيّته المطلقة. ولعمري إنّ قرار كهذا لهو بحاجة إلى جرأة عظيمة؛ جرأة مُتكئة على رؤية لإمكانيَّة الإسلام والمسلمين بالتطلع نحو الواقع والمستقبل. إنّه قرار بقبول دعوة مفكّرين وفلاسفة وعلماء ورجال دين مسلمين وغير مسلمين، يتمتّعون بالصدق والاحترام والهامة العلميّة والأخلاقيَّة، بفتح ليس فقط باب الاجتهاد، بل حتّى باب النقد لكلّ مقومات منظومة الفكر الإسلامي التي تعود لقبل ألف عام، والتي تمنع المسلمين من العيش بسلام مع ذاتهم ومع واقعهم ومع مطلبات العصر ومع الآخر. نعم، إنه قرار جريء، لا بل ثوري، على قيادة الآزهر أنْ تأخذه، لإعادة النظر بكلّ الذاكرة وكلّ هذا التراث الكتبي العظيم بما يحمله من قمح ومن زؤان.

 

الثورة الدينية نحو النهضة     

لنكن أكثر صراحة ووضاحًا. إنّ المرحلة الراهنة، وما يعيشه الفضاء الإسلامي من تخبّط، يتطلّب من الأزهر أنْ يكون ركنًا في ثورة فكريَّة ودينيَّة تكون فاتحة عصر نهضة جديدة في فضائنا العربي، وفي العالم الإسلامي حتّى بشكل عام. ثورة يتمّ فيها إعادة النظر ونقد كتب الحديث، وكتب السير وإهمال كلّ ما يتناقض والعقل الإنساني. هذه ليست دعوتي، بل دعوة الكثير من المفكّرين المسلمين من طه حسين، إلى علي عبد الرازق، إلى محمد أركون، إلى عبد الله العروي وجمال البنا ونصر حامد أبو زيد. حتى النص القرآني يجب أن يكون موضع بحث ونقد وتأمل. لما لا، إذا كانت هذه العملية تجري وفق المعايير العلميَّة والعقليَّة والإنسانيَّة التي تسمح للمسلمين بالخطو بثقة باتجاه المستقبل وباتجاه الآخر، وليكونوا من جديد مشاركين في الحضارة الإنسانيَّة، وليس فقط مستهلكين راضخين مهمَّشين. لما لا يُعاد الإسلام إلى أصالته الروحيَّة والدعويَّة والدينيَّة، ويتمّ فصله عن زواريب السياسة والدول وحيل الحكّام. لما لا يتمّ تنقية التراث الإسلامي من كل ما اعتراه ويعتريه من تشويه وتدمير. بربّكم، من هم أكثر من شوّه الإسلام ودمّره، أليس المسلمون أنفسهم عندما قرّروا استثمار الإسلام في المعارك والسياسة وخطط التسلّط؟ من شوّه الإسلام أكثر، أهذا الرسام الكاريكاتوري في إحدى دول أوروبا أو تلك المنظمات من مثل طالبان والقاعدة والنصرة وداعش والمئات من الحركات الإسلاميَّة الجهاديَّة والأصوليَّة والسلفيَّة التي حقّرت الإنسان جاعلة إيَّاه وسيلة في مشاريع إيديولوجيَّة كبرى، في حين أنَّ الإسلام، وكلّ دين، وجدوا كلّهم ليكونوا في خدمة الإنسان الذي يجب أن يكون هو محور كلّ اهتمام، وهو الغاية، وهو القيمة الأكبر والأهم.

 

لنفض البرامج التعليمية

نعم، على الأزهر، إنْ كان صادقًا في قوله بأنَّه ممثّل للإسلام المعتدل، وللإسلام الوسط، أنْ يكون هو راعي هذه الثورة الهادئة ضمن جدرانه وصفوفه ومكتباته ومساجده. ثورة يتمّ فيها نفض البرامج التعليميَّة، ونفض كتب التراث من حديث وفقه وشرع وسِيَر، وصولًا لتدريب المسلمين على كيفيَّة قراءة النص القرآني بروح العصر وروح الإيمان والعلم والعقل. إذهبوا إلى هذه الثورة الهادئة، قبل أنْ يسبقكم غيركم إلى ثورات عاصفة وهائجة وغاضبة لا تبقي ولا تذر.

* أستاذ جامعي متخصص في التاريخ وكاتب سياسي