أزمة جوهرية يمرّ بها لبنان، هي الأخطر منذ انتهاء الحرب سنة 1989 والتي أعقبها اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب المشؤومة مطمئنًا مسلمي لبنان بانتهاء عهد الغبن ونقل الإمتيازات التي تمتع بها المسيحيون، في عُهدة مجلس الوزراء مجتمعًا، ومعاهداً المسيحيين بمناصفة أبدية تعوّض حرمانهم من امتيازات كانت أصلاً بطلب من المسلمين لقاء التخلي عن الحماية الفرنسية إبان الإنتداب، وتخطيًا من الطرفين للمذابح التي حلت بالمسيحيين في حربي 1840 و1860.

 

كيف ذُبحَ الطائف

   بعد الطائف، شاءت سلطة الأمر الواقع إبقاء ما اتفق عليه الأفرقاء أن يبقى حبراً على ورق، فنالوا من الضمانات التي كانت تتمثل بصلاحيات الرئاسة، وأطاحوا بالمراكز التي ضمنت بقاءهم في الدولة التي بنوا، وخسروا رئاسة الجامعة اللبنانية ورئاسة المحكمة العسكرية والمديرية العامة للأمن العام والمدعي العام التمييزي ورئاسة مجلس الخدمة المدنية، هنالك، حيث التوظيف المتسيّب من أية ميثاقية أو مناصفة، حتى وصلت نسبة المسيحيين بين موظفي القطاع العام ما لا يتعدى 25 %.

    مرّت عدة عهود على اتفاق الطائف، نال خلالها كل الأفرقاء من المقاعد المحسوبة للمسيحيين، في المجلس النيابي كما في مجلس الوزراء، في الأجهزة الأمنية كما القضائية، وسائر الوزارات ناهيك عن الغبن الذي لحق بهم في المشاريع الإنمائية من شق طرقات وبناء جسور ومستشفيات ومدارس وجامعات، حيث بقيت المناطق المسيحية ترى بأمّ العين ما يحصل، متأملة بيوم سيأتي حتماً، تحصل فيه المصالحة المسيحية، مما سيؤدي بهم إلى حجز رئاسة الجمهورية لهم من جديد، عبر رئيس قوي فاعل، يضمن الوحدة الوطنية ويعيدهم إلى الدولة التي ما عادت لهم.

  

أزمة قانون الإنتخاب

انتُخب العماد ميشال عون رئيسًا، ترشيحًا من الدكتور سمير جعجع، وبعد موقف تاريخي من السيد حسن نصرالله، وواقعية منطقية من الرئيس سعد الحريري، فتنفس المسيحيون الصعداء، آملين انقشاع الغيمة السوداء التي حلت بهم لأكثر من عشرين عامًا، مجهزين زنودهم لبناء الدولة الميثاقية من جديد، بعد أن صارت مرتعًا للفساد، في مجمل الوزارات والإدارات.

 

  أكثر من ثلاثين نائبًا مسيحيًا تحجزهم زعامات مسلمة في كتلها كموظفين لديها، وكأحصنة طروادية من شأنها أن تلعب دوراً ميثاقيًا صوريًا عند الحاجة، لترميم وعدهم للمسيحي في الطائف، أن المناصفة ضمانته الكبرى، وهي قائمة حتى اليوم. حلّ موعد الإنتخابات بعد تأجيلين مريرين، وقدّم الوزير باسيل برامج إنتخابية متعددة تصب كلها في خانة الميثاقية، مؤمّنة للمسيحيين مقاعد نيابية تتراوح بين 50 و60 مقعداً في المجلس النيابي ورُفضت مشاريعه كلها بعد أبدى الباقون رفضًا قاطعًا للقانون الأورثوذكسي، وشنوا ضده حملة إعلامية غير مسبوقة متهمين إياه بالإنعزالي والطائفي، وملمحين في تصاريح عدة على ألسنة مقربين من الزعماء "الوطنيين المثاقيين"، أن المناصفة في الطائف لن تكون منطقية في ظل تبدل ديموغرافي صار فيه المسيحيون لا يشكلون أكثر من 35 % من سكان لبنان.

 

هكذا تلاعبوا بالديموغرافيا

   لكن الأسئلة التي تستحضرنا امام مقارباتهم هذه هي التالية :

    هل أن تجنيس 400 ألف فلسطيني بمرسوم مشبوه يسمح لمتحدثينا أن يقاربوا موضوع الديموغرافيا المسيحية من جديد ؟

 هل أن إدخال مليوني سوري نازح إلى لبنان أمر بريء بوجه أي قيامة مسيحية موعودة؟

ماذا تنتظرون من المسيحيين في لبنان؟ أن يقبلوا بالأمر الواقع ويكتفوا بانتخاب 34 نائبا لهم بأصواتهم وأن يبقوا خارج الوزارات ومصالح الدولة؟ هل من الممكن لرئيس الجمهورية أن يسكت على الغبن الحاصل؟

هل من الطبيعي أنه حين يطالب المسيحيون باستعادة مقاعدهم يهددونهم بالشارع وبالحرب الأهلية؟

  

المسيحي القوي ضمانة الوحدة

وصلت الأمور إلى طريق مسدود، وعلى الشركاء اللبنانيين أن يقرّوا بحق المسيحيين بحياة كريمة في لبنان، فالمسيحي القوي ضمانة للوحدة الوطنية في ظل الفتنة المستشرية في انحاء العالم العربي، وهذه الأسابيع القادمة مفصلية، وربما هي الأخطر في تاريخ لبنان الحديث، رحمةً بالميثاقية ورحمة بالأجيال القادمة، أعيدوا للمناصفة رونقها، لأن العالم يتبدل من حولنا، والخرائط تُرسم من جديد، والدول تُقسّم دون حدود، كي لا يلفنا التخاذل فنقع في المحظور، ويدخل الجميع في نفق لا يعرف أحد نهايته، لأن الإنتخابات القادمة مصيرية للجميع، فلا يتوقعنّ أحدٌ من جبران باسيل وسمير جعجع التراجع، لأنه عندما يتهدد وجود الإنسان تصبح خياراته متاحة ومشروعة بهدف الحفاظ على هذا الوجود.

  • أستاذ جامعي