لا خلاف أنَّ النسبية هي أفضل قانون يضمن تمثيل الجميع، لا بل يعطي فرصة لمجمل القوى السياسية للوصول الى القبة البرلمانية، كما يرفع الظلم الذي يسببه القانون الأكثري، وهو من أفضل القوانين الإنتخابية إذا طبق بالشكل الصحيح.

وأفضل من يستطيع التكلم عن النسبية بشكل دقيق، عملي، وواقعي هم العراقيون، الشريك الوحيد للبنانين في المنطقة والذي يمارس عملية انتخابية نزيهة بمستوى مقبول: اربع تجارب انتخابية جميعها كانت بقانون اعتمد النسبية، ولكنها كانت تتمايز بين تجربة وأخرى، حيث تُكتشف اخطاء في الممارسة تجري مناقشتها بعمق وتصحيحها.

 

نوع الإنتخابات النسبية

تم تطبيق عدة أنواع من النسبية في العراق فجاءت "المغلقة بدائرة واحدة"، "مغلقة باعتماد المحافظة دائرة انتخابية"، "نصف مفتوحة المحافظة دائرة واحدة". وتتطلع القوى المدنية وتيارات المجتمع المدني وتطالب بالنسبية وفق القائمة المفتوحة الكاملة مع أصغر دائرة انتخابية، حيث تجد أنها أكثر ما يحقق صحة التمثيل، فيما يكون النائب المنتخب في أقرب حلقه من جمهوره الانتخابي.

كما لم يحدد القانون مقاعد خاصة لكل طائفة او مكون، لذلك عملياً هو غير طائفي، ولكن الناخب هو الذي يجعله طائفياً بانتخابه قوائم ينتمي مرشحوها لنفس طائفته، وعند تصويت الناخب لقوائم ليست طائفية سيتحول النظام الى مدني علماني، وهذه ميزة تمنح الخيار الإنتخابي للشعب، فيما يمكن تغيير مقاعد الطوائف بين انتخابات وأخرى، فنشهد في كل انتخابات خروقات لقوائم ذات طابع مدني، وهذا ما لن نجده في النسبية اذ طبقت في لبنان.

 

الدائرة الواحدة تزيد التصويت الطائفي

طُبق هذا القانون في أول عملية انتخابات بعد تغيير النظام، وهو ما يطرح الآن في لبنان على أساسا النسبية لدائرة واحدة من دون تحديد طبيعة القوائم مغلقة ام مفتوحة. وأظهر القانون بعد تطبيقه الكثير من السلبيات، منها أن الطوائف تكتلت ضمن قوائم محددة، ووجهت ناخبيها للتصويت وفق هذا الفرز والذي دفع القانون في اتجاهه، ما أضعف المنافسة ضمن المكون الواحد، وأصبحت عملية اختيار المرشحين كأنها تعيين في المجلس، بعد أنَّ حسمت كل قائمة والتي تمثل مكوناً معيناً، عدد نوابها من خلال المعرفة المسبقة للمصوتين لها.

أما القوائم الصغيرة والتي استفادت من الدائرة الواحدة، فلم تتمكن من الوصول سوى بعدد محدود جداً من النواب لا تأثير لهم.

فيما جاء اغلاق القوائم وكأنه حوَّل التصويت الى استفتاء، فالقوى السياسية هي التي تتحكم باختيار نوعية مرشحيها وتسلسلهم ضمن القائمة، ولا دور للمواطن في العملية الانتخابية والتي تحسمها القوى مسبقاً. ومن جانب آخر فإن المواطن لا يستطيع محاسبة نوابه الذين انتخبهم في الانتخابات القادمة، فهو انتخب قوائمَ معينة ذات توجه محدد ولم ينتخب نواباً، لا بل بعض الناخبين لم يعلم من هم نواب القائمة التي صوت لها.

وإذا اعتمدت صيغة قانون كهذا في لبنان، فيمكن أنْ تُشكَّل قائمة واحدة تضم جميع الفرقاء أو أغلبهم ستحصد جميع مقاعد البرلمان أو أغلبها.

 

ولنا نموذجان على تطبيق هذا القانون: الأول في الإنتخابات العراقية 2005 فقد فازت القوائم الكبرى بمجمل المقاعد، ولم تحصل القوى الصغرى سوى على عدد محدود جداً لم يكن مؤثراً في القرار السياسي. أما المثال الآخر فهو في انتخابات إقليم كردستان الأولى بعد سقوط النظام، حين تحالفت جميع القوى السياسية وفازت بجميع المقاعد، ولم تحصل القوائم الأخرى على أي مقعد.

 

القائمة نصف المفتوحة، المحافظة دائرة واحدة

حاول المشرعون تصحيح التمثيل، والإقتراب أكثر من نبض الشارع، فعمدوا إلى اعتماد المحافظة كدائرة انتخابية مع تحديد عدد نواب كل محافظة وفقاً لعدد سكانها، وجعلوا القائمة نصف مفتوحة، أي إمكانية اختيار الناخب لمرشحه ضمن القائمة الواحدة، بعد اختياره لتلك القائمة.

ضمن هذه الطريقة نُقلَ التنافس من المكونات الى تنافس داخل المكون الواحد، فظهرت قوائم محلية ضمن المحافظة الواحدة وتمثل مكوناً معيناً، حيث استمر الفرز على أساس المكونات نتيجة طبيعة تصويت الناخب لمكونه حصراً، لكن مع وجود حيز لتحرك القوائم العابرة للمكونات. كما أصبح تسلسل المرشحين لا معنى له في تحديد فوزهم او خسارتهم، بل يتم تحديده من عدد الأصوات التي يحصلونها بأنفسهم، في تنافس داخل القائمة بحد ذاتها.

 

كركوك نموذج تجاوز الطائفية

تتميز محافظة كركوك بتنوع اثني طائفي فهي تضم اكراداً سنة، عرباً سنّة، عرب شيعة، تركمان، مسيحيين. ويبلغ عدد سكانها ما يقرب المليون واربعمئة ألف نسمة، ودائما ما يحصل تعقيدات وأزمات في العملية الانتخابية، بسبب اتهامات متبادلة من جميع الأطراف بمحاولات التغيير الديموغرافي للمحافظة، والتي جرت على مراحل وسنوات طويلة منذ زمن النظام السابق واستمرت في اتجاهات مختلفة لما بعد سقوطه في محاولة تصحيح آثار ما سمي بتعريب المحافظة.

حصة كركوك ثلاثة عشر نائباً، احدهم مسيحي يأتي ضمن كوتا خاصة بالمسيحيين، أما المقاعد الأخرى فهي مفتوحة للتنافس بين الجميع. وفي الإنتخابات الأخيرة 2014، جرى التنافس بين قوائم انتخابية حزبية عدة ، ففضلت الأحزاب خوض الانتخابات منفردة من دون تكتلات على أسس طائفية أو قومية، والغرض منها تحديد حجم كل طرف. فالكرد مثلا كان لهم عدة قوائم ابرزها كانت للحزبين الكبيرين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، والعرب السنة بعدة قوائم، وكذا التركمان، كما نافست القوائم الشيعية التقليدية لكسب أصوات الشيعة الموجودين بالمحافظة.

ووفق القانون النسبي استطاعت قائمة الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال طالباني حصد ستة نواب أي 50% من المقاعد، فيما حصلت قائمة الحزب الديمقراطي الكردستاني على مقعدين، وقائمة تركمانية على مقعدين، ومقعدين آخرين ذهبا للعرب السنة مناصفة بين قائمتين اثنين.

ولتحليل نتائج الانتخابات تلك، نجد أنَّ الكرد حصلوا على 8 مقاعد، والتركمان 2، والعرب السُنّة 2، فيما لم يحصل العرب الشيعة على أي مقعد رغم حضورهم عددياً في المحافظة. إذن الجمهور أدلى بصوته من دون النظر الى الطائفة او العرق.

في هذه الانتخابات ووفق ما ذهبنا إليه، كانت مثالا مباشراً على أن الناخب يستطيع إلغاء الطائفية السياسية عندما يسمح له القانون بذلك. فذهب تصويت الكرد وأغلب العرب السنة والشيعة صوب قائمة كردية، تقييماً لنجاحات تنموية غير مسبوقة حققها لهم المحافظ الذي تزعم القائمة. ومن هذه النقطة ننطلق في فهم أن صياغة قانون جيد يمكن للمواطن الاستفادة منه عندما يقرر ذلك، فيحاسب ويكافئ بحسب ما يجده عادلاً في تلك اللحظة، وعندها نكون قد نقلنا القرار إلى الشعب.

 

المطب اللبناني؟

اللبنانيون لم يتطرقوا لكل تلك التفاصيل في حواراتهم ونقاشاتهم حول النسبية. وفقط المتابع العراقي يفهم في أيّ مطب سيسقطون، اذ اختاروا النسبية وهم لم يحسموا امرهم في نوعية القانون، وطريقة التصويت.

ولا أظن أنَّ الوقت كافٍ لبيان كم هو متشعب هذا النظام، وكم المنافسة دقيقة ومعقدة، ووفق أي ضوابط ستعتمد طريقة احتساب الأصوات والتي تشهدْ عمليات تلاعب، هي أخطر من الانتخابات بحد ذاتها.

  • صحافي وكاتب عراقي