أعتقد أنْ أبناءنا بعد مئات السنين سوف يدرسون في مادة التاريخ أننا كنا نعيش في هذه الفترة ظرفاً استثنائياً بسبب التطرف الديني، قد راح ضحيته العديد من الابرياء. أما كيف انتهت هذه الفترة، كم عدد الضحايا، من انتصر، ما الثمن الذي دفعناه جميعاً لكي نخرج من هذه الأزمة، فهي كلها فصول سوف يكتبها المستقبل لا يمكن تخمينها، لكن ما يمكننا تصوره هو الذي نتمنى أن يذكره التاريخ عنا.

 

الإرهاب الديني ليس جديداً

أصبح مصطلح تجديد الخطاب الديني الأشهر في هذه المرحلة. ينظر اليه الكثيرون على أنه المخلص من الإرهاب، واستسلمنا لهذه الفكرة إيماناً أنها الحل الوحيد، وأصبحت المشكلة هي من يقوم بهذا التجديد. هل المؤسسات الرسمية؟ أم رجال دين من خارج المؤسسة الرسمية؟ أم يتم فرضه بالقوة من الدولة؟

قد يكون من المفيد أنْ نذكر أننا لسنا أول من عانى من المفاهيم الدينية المتشددة حتى الخاطئة. فأوروبا عانت كثيراً على مدى عدة قرون من سطوة الكنيسة وتحكمها في كل نواحي الحياة، نحن جميعاً نحب هذه الحقيقة، فبمجرد ذكر الارهاب الذي نعيشه الآن نتذكر جميعا أوروبا محاكم التفتيش وحرق السحرة والهراطقة، كأننا نواسي انفسنا وننتظر أن نصل الى ما وصلت إليه أوروبا من حرية واستقرار بعد قرون من ظلمة الارهاب باسم الدين. والحقيقة أننا نخدع أنفسنا قليلا بهذا القول. فعصور الإرهاب الديني في أوروبا ليست هي ما أدت الى عصر الحرية التي تعيشه أوروبا الآن. ليس صحيحاً أننا نسير على الدرب نفسه وسنصل إلى النهاية نفسها.

 

ظروف الإصلاح في أوروبا

 أوروبا عانت بالفعل من التطرف الإرهاب، لكن احداثاً أخرى هي التي أخرجتها من ظلمتها تلك.

حتى القرن السادس عشر كانت أوروبا كلها تخضع لسلطة البابا في روما. كان مارتن لوثر راهباً المانياً قد ازعجه احتيال رجال الكنيسة على الفلاحين الفقراء في القرى الألمانية وبيع وهم الغفران، وقرَّر مارتن لوثر إصلاح الكنيسة من الداخل، فكتب رسالته الشهيرة للاسقف التي وصلت لاحقا للبابا، معلنا فيها أن الغفران لا يمكن شراءه بالمال وألا سبيل إليه إلا بالإيمان بالمسيح. بالطبع لم تنجح محاولة مارتن لوثر هذه في الإصلاح الداخلي وإنما الذي حدث هو حرمانه وانشقاق طائفة جديدة من المسيحيين، وبدأ عصر الصراعات المذهبية والتكفير المتبادل. ليس صحيحاً أنَّ الكنيسة الكاثوليكية وحدها كانت تمارس الاضطهاد والعنف ضد البروتستانت. فالعنف كان متبادلاً والمحاكمات الكنسية والتكفير والإقصاء كانت سمة ذلك العصر.

كما أدت محاولة الإصلاح من الداخل الى ذلك العنف، وكانت محاولة التغيير من فوق ايضاً ذات عواقب وخيمة. ففي إنجلترا، أعلن الملك هنري الثامن الانفصال عن كنيسة روما والتمرد على سلطة البابا من أجل التخلص من زواجه من الملكة كاثرين التي كانت لا تنجب بنينا يمكنهم وراثة عرشه. وقد عانت إنجلترا سنوات من العنف والقتل على الهوية بسبب هذا التحول الفوقي الذي لم يرغب فيه بعض الشعب ولم يستعد له.

 

استقرار الغرب ثمرة العلم والعقل

بينما أوروبا كانت مشغولة بالتكفير المحاكمات الكنسية، كانت الثورة العلمية تولد على رعم أنف الجميع، وبدا للناس انه من الممكن ان تناقش المسلمات ان تتساءل دون أن يكون ذلك خطيئة أو جريمة. قد قادت الثورة العلمية أوروبا إلى عصر التنوير حيث أدرك العقل الجمعي للشعوب الاوروبية ان السيادة يجب أن تكون للعقل والعلم، وأدى ذلك إلى عدة نتائج أهمها حرية الفرد والتسامح الديني.

 نحن حتى الآن نجني ثمار عصر التنوير، فالايمان بالحرية والعدل والمساواة قدمه لنا فلاسفة ذلك العصر. لفلاسفة تلك الحقبة يعود فضل مبدأ فصل الدين عن الدولة، فقد اقترح الفيلسوف الانجليزي جون لوك أن الدولة  يجب ألا أن تملك سلطة على ضمائر المواطنين. فبحسب مبدأ العقد الاجتماعي يتنازل المواطنون عن جزء من حرياتهم للدولة أو ممثليها مقابل إقرار النظام والأمن، لكن لوك اعتقد ان هذا يجب ألا يشمل حرية الضمير والمعتقد التي يجب أن تبقى بعيدة عن سلطة الدولة.

صحيح أن الثورة الفرنسية والتي كانت علامة فارقة في ذلك العصر تحولت إلى مجزرة سقط خلالها آلاف الضحايا، لكنها كانت نتيجة عوامل كثيرة اقتصادية وسياسية واجتماعية ضغطت على المواطن الفرنسي حتى انه حين انفجرت الثورة، خرجت الأوضاع عن السيطرة.

نحن إذ ننظر الى أوروبا وأمريكا، نتمنى ان نحصل على ما يتمتع عليه الإنسان في تلك المجتمعات من الحرية والتعايش مع الاخر، دون ان نتخلى عن هويتنا وثقافتنا الخاصة. إننا نستطيع أن نتعلم من رحلتهم دون الحاجة إلى إعادة أخطائهم، فالتاريخ يعيد نفسه فقط للذين لا يقرأوه، أما من يقرأ فإنه يخلق مستقبلاً جديداً وتاريخاً خاصاً افضل من من سبقوه.

 

لحلول "من عندنا"

نحن لا نحتاج أن نجدد الخطاب الديني. فالخطاب الديني هو وليد ثقافتنا حضارتنا، هو منتج لا يمكننا أن نغيره الا اذا غيرنا العوامل التي تؤدي إلى إنتاجه، وليس من المفيد أن نقوم بترجمة كل أعمال روسو ولوك وفولتير فلن تغير فينا كما غيرت في أوروبا. نحن نحتاج الى عصر تنويرنا الخاص، ننتجه بأنفسنا، بعقول مثقفينا ومبدعينا.

وأنا أعتقد أننا لا نحتاج أن نستورد فلاسفة لكي يوقدوا لنا مصابيح التنوير، كل ما نحتاجه ان نترك ابناءنا يفكرون ويكتبون، ان تعطيهم الحرية وأن يقولوا ما يعتقدون، ان ندع مجالاً للافكار أن تنتشر وتتصارع وتختلف. ان نسمح للعقل العربي أن يتحرر من قيود السلطوية التي تعيق الإبداع، ان نتخلص من سيف الاتهام بالكفر الإلحاد العمالة للخارج ازدراء الأديان.

أخيراً، لا أعتقد أن الخوف من انتشار الأفكار السيئة المخربة للمجتمع هو خوف مشروع في هذا الوقت بالذات، حيث كل الأفكار تنتشر بسرعة كبيرة. إن أي فكرة تنشأ في بقعة ما في الارض يمكن ان تنتشر في كل العالم في نفس الوقت برغم كل عوائق اللغة والدين والتقاليد.

فليس أمامنا إلا أن ندع الأفكار تنمو في أرضنا، من عقول تأثرت بحاضرنا وماضينا وعانت ما نعانيه وتأمل إلى ما نأمل اليه لكي تقودنا الى المستقبل الذي نريده.

  • طبيب مصري مقيم في الولايات المتحدة