ملايين اللاجئين السوريين الموزعين في أنحاء العالم، في دول العرب والغرب على حدٍ سواء...

والسؤال، هل بعد انتهاء الحرب، سيعود اللاجئ السوري الى وطنه، بعد هدأ الوضع واستقر؟

هل سيعود السوري الى وطنه، بعد أن استقر في مدينة ألمانية هادئة، وحصل فعلاً على اللجوء وبدأ في الاندماج بالمجتمع؟

هل سيعود السوري الى وطنه، بعد ان اعتاد على الحياة في تركيا، بل وربما يحصل على الجنسية التركية أيضاً؟

هل يمكن أن يعود السوري الى وطنه، بعد ان حصل على عمل جيد في السويد، وتعوّد على نمط الحياة الغربية؟

أعرف يقيناً أنْ اللاجئ السوري في الدول العربية (مصر، لبنان، الأردن، شمال افريقيا، وحتى الخليج) سيفضّـل عدد كبير منهم (وليس كلهم) العودة الى سورية مرة اخرى.، هذا طبيعي ومفهوم..

ولكن السؤال الأهم هل السوري في الغرب سيعود؟

 

تاريخ الهجرة السورية

طبعا شهدت سورية عبر تاريخها موجات لجوء الى أوروبا والأميركيتين، مع ملاحظة أن هجرات السوريين الى الغرب -عادة- يكون مردودها جيداً جداً هناك.. هجرات الشوام السابقة جعلت أميركا اللاتينية مثلاً تعج برؤساء دول، مخرجين سينمائيين، ساسة، اقتصاديين، ورجال أعمال من أصول سورية طوال الوقت.  إلا أن التاريخ يؤكد أن السوريين يتأقلمون سريعاً مع المجتمعات الغربية، وغالباً ما يندمجون فيها سريعاً.

منذ الإحتلال العثماني وما تخلله من حروب وأزمات اقتصادية، نشطت هجرة الأيدي العاملة السورية، التي شكل الشباب القسم الأعظم منها، إلى مختلف بلدان العالم. وفي عهد الانتداب الفرنسي هاجر قسم منهم إلى أوروبا بسبب علاقاته مع جيش الانتداب. أما الهجرة إلى دول الخليج فقد نشطت إثر الازدهار الاقتصادي في السبعينيات، وهي خارج نقاش مسألة العودة. فالدول العربية، ومنها الخليج، لا تمنح السوريين جنسية بلادها ولا حق اللجوء إليها، كما أن اللغة الواحدة وتشابه العادات لا يجعلان الأجيال التي وُلدت في هذه الدول شديدة البعد عن موطنها الأصلي.

فمعظم هجرات السوريين قبل عام 2011 كانت لتحسين الوضع المعيشي، وهو ما يُسمى بالهجرة الإقتصادية، تليها الهجرة التعليمية، أما خلال الحرب فالهجرة كانت لدوافع مختلفة تماماً وأهمها الهروب من شبح الحرب.

 

الجيل الجديد وأزمة الإندماج

لكنني أرى أنَّ الجيل القادم الذي ولد في الحرب خارج سوريا لن يعتبر نفسه سورياً ببساطة، ولن يشعر بالحنين الى وطن لم يعرفه. لم يعد مهماً عدد السوريين الذين هاجروا خلال السنوات الأخيرة، بل المهم هو احتمال رجوعهم في حال عودة الإستقرار إلى سورية. فقد بدأوا يتأقلمون شيئاً فشيئاً مع ثقافات أخرى، ويبنون مستقبلهم بعيداً عن بلادهم، وهذا ما يجعل مسألة العودة إشكالية لدى معظمهم.

ويُلاحظ أن السوريين الذين كانوا يقيمون قبل الحرب طلاباً أو عمالاً في الخارج، طلبوا اللجوء مع انتهاء مدة إقامتهم. وتتصدر تركيا المركز الأول في احتواء السوريين يليها لبنان.

لكن غالبية السوريين في تركيا يَعُدُّون إقامتهم عبوراً إلى دول أخرى، يستطيعون فيها العمل والإقامة بشكل أفضل. فمعظم من يرحلون إلى أوروبا عبر البحر، يغادرون من الأراضي التركية. كما أنَّ عدد من وصلوا إلى أوروبا طلباً للجوء خلال هذا العام بلغ نسبة عالية جداً مقارنة بالأعوام السابقة، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

 

في عام 1918، لجأ 20 ألف أرمني إلى العراق بسبب المذابح التي ارتُكبت في حقهم في تركيا وأرمينيا، وعلى الرغم من اختلاف العادات والتقاليد وانتهاء الحرب، لم يعودوا. وعندما وقعت الحرب العراقية عام 2003، لجأ آلاف من الأرمن العراقيين إلى سوريا ومصر بدل أرمينيا. وإذا كان المهاجرون العراقيون على سبيل المثال لم يعودوا إلى بلادهم، مند أن خرجوا، فإنَّ المهاجرين الأرمن لا مبرر لعدم عودتهم سوى أنَّهم اندمجوا بشكل كامل في البلاد التي هاجروا إليها. وهو اندماج لا يمكن مقارنته بالبرامج الاجتماعية القوية التي تخص اللاجئين في أوروبا والأمريكيتين، ابتداء من تعلم اللغة وانتهاء بالحصول على الجنسية.

 

ألمانيا جنة اللجوء السوري؟

وأريد هنا مناقشة ملف ألمانيا التي تحتضن النسبة الأكبر للجوء في أوروبا.

يجب الحديث أولاً عن وضع اللاجئ الاقتصادي هناك. قعند تقديم طلب اللجوء يجب على مقدم الطلب المكوث في الاشهر الاولى في ما يسمى "ارست اوفنامي اينريشونق (ُErst aufnahmee inrichtung)" وهي عبارة عن مخيمات مزودة بالحماية ومعدة بجميع الحاجات الأساسية، يمكث فيها مقدم الطلب لثلاثة اشهر تقريبا حتى يتم فرزة على ولاية ومدينة اخرى. وفي هذة الفترة (بحسب ما ينص علية القانون الرابع للخدمات الحديثة في سوق العمل"Hartz VI" في القانون المدني الألماني"BGB") يتقاضى طالب اللجوء البالغ حوالي ١٤٣ يورو شهريا كمصروف شخصي، وبعد الفرز على منطقة اخرى يتقاضى مبلغ من ٢٨٧ الى ٣٥٩ يورو شهريا، بالاضافة لدفع اجار مسكنة ومنحة بطاقة مواصلات شهرية او سنوية عدا عن اعطائه دورات لغة مجانا، وعند منحه تصريح العمل وايجاد عمل مناسب تقطع عنه هذه الخدمات فيصبح يمول نفسة بنفسة.

من هذا يتبين لنا أن اللاجيء السوري في المانيا يعيش حياة جيدة ان لم تكن جيدة جدا وقد تكون ممتازة، اذا ما قورنت بحياته الاولى في بلدة الاصلي، لانه يجد مصروفه الشخصي ومستلزماتة الأساسية متوفرة سواء كان لدية عمل ام لا.

 

مما سبق يستطيع المرء أن يستنتج أن تحديد مستقبل مقدمي اللجوء في المانيا يكتنفه بعضاً من الغموض، في ظلّ سيناريوهات متعددة. فحالات التحريض التي تزداد يوماً بعد يوم ضدهم لا أحد يعلم ماذا ستكون نهايتها، وارتفاع أصوات حركات وأحزاب جديدة تنادي بطرد اللاجئين كبيرة، وامكانية تغيير سياسة المانيا ضد اللاجئين وذلك بتغير الحكومة كبيرة ايضا. ولكن وفي الوقت نفسه هناك ايضا نظرة مغايرة تطرح في هذا الخصوص، وهي أنَّ الإندماج والتعايش رغم صعوبتهما وفِي بعض الأحيان استحالتهما، يبقيان فقط مسألة وقت، ولا يجب استبعاد ايضاً أنْ تصبح هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين قوة إقتصادية فعلاً تدفع بعجلة ألمانيا الإقتصادية الى الأمام!

 

لن يعودوا!

من كل ما تقدم، أستطيع أن اخلص الى ان اللاجىء السوري في أوروبا او اميركا الشمالية وكندا، إمكانية رجوعه "الطوعي" ضعيفة ان لم تكن معدومة.

*باحثة سورية مقيمة في الولايات المتحدة