لعل موضوع الحرب السورية وأزمة اللجوء التي نتجت عنها باتت المحور الأساسي للنقاش في معظم المجتمعات الشرقية والغربية على السواء.

 

التعددية الثقافية في الغرب

ليس من السليم التعميم وطرح عبارات توصيفية تشمل جغرافيات مثل الهوية الغربية، أو الهوية الأوروبية، فهناك تمايزات مهمة بين أميركا الشمالية وأوروبا في السياق التاريخي لتشكل مفهوم الأمة والدولة الوطنية، كما أن هناك تمايزات بين شرق وجنوب أوروبا من جهة ووسط وغرب أوروبا من جهة أخرى في التاريخ السياسي، تجعل الأوصاف التعميمية غير دقيقة.

في ستينيات القرن العشرين، بدأ مصطلح "التعددية الثقافية" في الظهور، وقد كرسته المفوضية الملكية الكندية وجعلته جزءاً من تصورها للمجتمع الكندي ومستقبله. ولكن كان هذا في مجتمع مهاجرين وجيب استيطاني سابق في الأساس، وبالتالي فهو مجتمع لديه الإمكانية لتقبل تصورات مرنة للأمة والهوية. وينطبق ذات الأمر على الولايات المتحدة من منظور تاريخي، مع التذكير بتأثير البعد الديني وأهميته في الخطاب العام وتشكيل الهوية.

 

في أوروبا الغربية الوضع مختلف، فالمجتمعات الأوروبية في العموم ليست مجتمعات مهاجرين، وفي حالة فرنسا، كانت هناك هجرة أبناء المستعمرات إلى المركز، وهذه الهجرات أجهزت بشكل كبير على أي نموذج عرقي "للفرنسي". ولكن بسبب تاريخ فرنسا القومي المتشدد في مسألة الهوية الوطنية، فإن الخطاب الرائج في مواجهة مسألة المهاجرين واللاجئين هو خطاب الاندماج لا خطاب التعددية الثقافية.

أما الحالة الألمانية فأكثر تعقيداً. فتاريخها الإستعماري قصير، كما أنَّ مجالها الإمبريالي كان أوروبا ذاتها، ولهذا بقيت ألمانيا إلى حد كبير بعيدة عن تهجين مركبها الاجتماعي من مجتمعات أفريقيا وآسيا وهكذا... فإن مسألة الضغط الهوياتي والثقافي الذي يشكله المهاجرون واللاجئون، تشكل تحدياً جديداً نسبياً بالنسبة لها، باعتبار أن الهجرات التركية في النصف الثاني من القرن العشرين إلى ألمانيا الغربية هي البداية الفعلية لتاريخ الهجرات في التاريخ الألماني الحديث.

 

تاريخ العلمانية في أوروبا وموضوع الدين

بالإضافة إلى هذا العامل التاريخي الاجتماعي، يتوجب علينا الإشارة إلى "تاريخية" الفكرة العلمانية -بأوضح وأدق تعريفاتها المتعددة- بعيدا عن الاختزالات الخلاصية التي أشاعها كثير من المثقفين والمسيسين في العالم العربي، فالقول إن أوروبا تتبنى العلمانية لا يعني أن مركب الدين منزوع من التصور الكلي للذات الجمعية في مجتمعاتها، بل وفي حالات كثيرة -خاصة في شرق أوروبا- لا تزال الكنيسة تلعب دوراً مهماً في يوميات المجال العام، ونذكر هنا الكنيسة الكاثوليكية في بولندا ودورها في الإنتفاضات الشعبية ضد الحكم الشيوعي في الثمانينيات كمثال.

 

من جانب آخر، يتوجب علينا وضع "الدين" في سياق "سوسيولوجي" حتى نتمكن من فهم هواجس وممارسات الحكومات الأوروبية مع اللاجئين بعيدا عن المقابلات الخاطئة مع السياق العربي، فأبحاث علم الاجتماع الديني منذ أربعين عاما وحتى الآن ترجح أن "الإيمان" و"التدين" في ازدياد مطرد في العالم، ولكن الإيمان والتدين هنا يتخذان أشكالاً تقليدية وغير تقليدية، ولا تصح مقارنتها مع الحالة العربية لأن سياقها مختلف.

فعلمانية الدولة في أوروبا لا تتناقض مع ازدياد أصحاب "التجارب الدينية"، ولا تزال الثقافات الاجتماعية الغربية تنتج جماعات وجمعيات دينية مسيحية مختلفة ومتنوعة وتجد أتباعاً ومريدين، كما أن بعض السوسيولوجيين لاحظوا منذ الثمانينيات أن هناك نمط تدين تشكّل في بعض المجتمعات الأوروبية -والمجتمع الأميركي- يرتكز على اعتبار الدين والمشاركة في النشاطات الدينية المنظمة، مدخلا لولوج المجال العام وفضاء السياسة.. وهذا كله يجعلنا نبتعد عن الاختزال السطحي للعلمانية باعتبارها فكرة تجهز على مركب الدين في تمثل الذات الجمعية.

والواضح لنا الآن أنَّ الدين باعتباره تراثاً وليس بالضرورة باعتباره قائماً على الإيمان، يدخل في عمليات بناء النماذج عن الذات وهويتها عند المؤمنين أو الملحدين، فهناك وظائف اجتماعية للدين تتجاوز الفكرة المكرسة عن علاقة الإيمان به، وهناك كذلك وظائف "هوياتية" معقدة له أيضاً.

 

اللاجئون والبعد الثقافي الأهم في مسالة الإندماج

أهم ما أكدته هواجس أوروبا الثقافية من اللاجئين السوريين أن وعي أجهزة الدولة والسياسيين الأوروبيين قاصر بمراحل عن إنتاجات الثقافة الأوروبية/الأميركية. فمفاهيم مثل حق الاختلاف، والتعددية الثقافية، والمدن الكوزموبوليتانية، والهوية الإنسانية، والأمة المواطنية، وحقوق الإنسان وغيرها، مفاهيم مستبطنة فعلاً في وعي الساسة، ولكن إلى حدود واضحة و"آمنة" تخص الداخل وأحياناً المحيط الحضاري.

ولكن يظهر القلق وتنبعث مشاكل التراكمات التاريخية عند تجاوز هذه الحدود، ومن هذه الزاوية يصبح قلق الأوروبيين فيما يخص "الهوية" مفهوماً وليس محض مبالغات، ولكن ينبغي السؤال هنا عن مدى التغيرات في الهوية التي تحدثها موجات اللاجئين في المجتمعات الأوروبية المضيفة.

 

ابتداء، لا يمكن أن تحدث موجات اللاجئين السوريين هزات كبرى في الهوية خلال جيل واحد، ولكن يتركز "التأثير الآني" للاجئين -قبل استقرارهم النهائي وإنتاج جيل جديد مولود في البلد المضيف- في طريقة الحياة اليومية لا في هوية المجتمع. وهنا علينا التذكير دوماً بأن اللاجئين السوريين عينة اجتماعية عشوائية هربت من ظروف فرضتها مناخات الحرب والعنف، وليسوا نخبة ثقافية قررت الهجرة جماعياً! وبالتالي فهي عينة من مجتمع هاربة من واقع معين، وستحمل معها كثيراً من مشاكل السيكولوجيا الجمعية وكثيراً من محمولاتها الثقافية، ولن ترميها في البحر لمجرد استقبال الأوروبيين لها.

 

التمايز بين المثالين الأميركي والأوروبي

مستقبل مسألة الهوية الثقافية واللاجئين يرتكز على أمرين هما: مستقبل تعامل أميركا وأوروبا الغربية مع الحرب في سوريا، وسياسات الدول المضيفة وتصوراتها عن التوجهات المثلى بين الإندماج والتعددية الثقافية". وهي سياسات وتوجهات تتباين بحسب التجربة التاريخية والتوتر بين قطبي المشهد الحاضر: قطب يتبنى ضرورات المرحلة والأشياء التي لا مناص منها، فالاقتصاد الرأسمالي وأسواق العمل والعولمة وثنائية المركز والأطراف تفرض على الدول الكبرى استقبال الهجرات الطوعية والقسرية، وقطب التراكم التاريخي وتمثلات الذات الجمعية.

 

ولأن المجتمعات الأوروبية ليست مجتمعات مهاجرين تاريخياً، فإن التكتلات السكانية في الأحياء تعني فعلياً "غيتو" من نوع ما داخل المجتمع يرمز إلى "التمايز" الذي لم تتقبله المجتمعات الأوروبية بشكل كامل، وتفضل بدلاً عنه الاندماج، وهذه عملية معقّدة تحتاج إلى تعديل في سياسات الدولة تجاه توزيع اللاجئين وتشجيع اندماجهم. هذا مع العلم بأن التجربة التاريخية القصيرة في أوروبا أثبتت أن عمليات الدمج المثالي الذي تحلم به أوروبا لا تحدث غالبا، وأحيانا لا تنجح مطلقاً، وتبقى مجموعات سكانية تتحدث اللغة وتدخل وتستفيد من مؤسسات الصهر الاجتماعي (مدارس، جامعات)، ولكنها رغم ذلك تبقى متشبثة بتراثها الأصلي.

وتعاني هذه الجماعات نتيجة ذلك من اضطرابات حادة في الهوية -وهنا تقع المسؤولية على المهاجرين لا على الدولة المضيفة فقط- على عكس مجتمع مثل المجتمع الأميركي الذي يتقبل ظواهر كهذه إلى حدود معينة لأسباب اجتماعية وتاريخية.

 

وهنا اسيق مثالا حرب البلقان حيث استقبلت ألمانيا قرابة 400 ألف لاجئ، ولكن بمجرد إعلان ألمانيا كلاً من مقدونيا والبوسنة والهرسك وصربيا "أوطاناً آمنة"، كان لديها أساس أخلاقي قامت عليه تشريعات، لتعليق عشرات آلاف طلبات اللجوء من البلقان.

أخلص الى أنَّ الموضوع بغاية التعقيد من حيث موضوع الإندماج داخل المجتمعات الغربية من جهة ورفض العقلية الأوروبية بالمجمل لهكذا نوع من الإندماج الثقافي داخل مجتمعاتها من جهة اخرى، ويبقى الزمن هو المفصل!

  • أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة