مازالت صورة المسيحي الذِّمِّيّ في العقل الباطن للمسلم الشرقيّ هي السائدة، كما يبدو أن العهدة العُمرية مازالت تحكم عقل ووجدان ليس فقط رجل الدين بل ورأس الدولة في مصر.

المسيحي المصري في نظر الرئيس المصري في ذمة المسلم المصري وليس في ذمة القانون! وإلا ما معنى قوله في لقاءٍ رسميٍ حضره سيادته وكبار رجال الدولة مع مجموعه من الشباب، موجها كلامه لفتاة مسيحية اشتكت من تكرار الحوادث الإرهابية ضد المسيحيين، فقال نصا من بين ما قال: "ليه المسلمين مش موجودين مع المسيحيين "في تحركاتهم!" عشان "يحموهم!" أو يموتوا معاهم".

لقد أهدر الرئيس، بمجرد جملة واحدة مسؤولية الدولة مُمثَّلةً في المؤسسات الأمنية التي من المُفتَرض أن تقوم بهذا الدور وليس المواطنين العاديين، فنحن في ذمة الدولة وقانونها ومؤسساتها ولسنا في ذمة مواطنين مثلنا مثلهم.

 

الدولة تعرض نواة الحماية الذاتية... والكنيسة ترفض

يرى الكاتب كمال زاخر أن الرئيس أراد بعبارته أن يخاطب البسطاء محدودي الوعي غير المسيسين بلغتهم، فمشكلة مصر الأولى من وجهة نظره ثقافية وأزمة وعي في المقام الأول.

في موازاة ذلك، رفض الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا للأقباط الأرثوذكس عرض اللواء ممدوح عبد المنصف مدير أمن المنيا لترشح الكنيسة مجموعة من شباب الكشافة الكنسية لدورة تدريبية لهم من خلال هيئة الحماية المدنية، لتدريبهم على كيفية مواجهة المواقف الخاصة أثناء تأمين المصلين في الكنائس.

وأضاف الأنبا مكاريوس في اعتراضه على الفكره بأنه مع تقديره لمدير الأمن ورغبته في المساعدة، فإن ذلك قد يُساء فهمه من أصحاب العقول المريضة، على أنه جناح عسكري داخل الكنيسة، وقد يُفهم ضمنًا بالتالي أنه سيتم تسليحه بشكل أو بآخر، وهو أمر لا توافق عليه الكنيسة بلا شك.

أمّا الكشافة الكنسية، فالغرض الأساسي منها ليس عسكريًا ولا أمنيًا، وإنما تنظيمياً في داخل الكنيسة فقط، وبالتالي فهو ليس دورًا شرطيًا لا في الداخل ولا في الخارج. وفكرة الكشافة - وقد أصبحت عالمية، وكما بدأها "بادن باول" - تقوم على التدرُّب على كيفية مساعدة الآخرين مجتمعيًا، واكتساب مهارات شخصية في الاعتماد على النفس، والإبداع في مجالات عدة، بعيدة كل البعد عن المجالات الشرطية.

 

وتبع مكاريوس في بيانه: إذًا يبقى أن نقول إن تأمين دور العبادة هو مسئولية رجال الشرطة، بالطريقة والاستعدادات التي تقررها الوزارة، بينما يقوم شباب من الكنيسة المحلية بالتنظيم الداخلي أو التمييز بين شعب الكنيسة والغرباء عن المنطقة. وقد أثنى رجال الداخلية كثيرًا على الدور التنظيمي العظيم الذي قام به الشباب بكثير من الرقي والنبل، في فترة الأعياد الأخيرة.

واستطرد مكاريوس بانه لا شك أن غرض الوزارة من هذا العرض هو تفعيل أكثر لدور الكشافة في حماية المنشآت المسيحية، أو إيجاد آلية إضافية للحماية، ولكن يُخشى من تبادل الأدوار وإلقاء اللوم عند وقوع حادث ما، على الكشافة الكنسية والشباب الذي تم تدريبه.

واختتم الأنبا مكاريوس بيانه بانه يتذكر بأن هناك البعض كان قد اتهم الكنيسة في وقت سابق بأنها تحتفظ داخلها بمخازن للأسلحة! وأضاف: لكن أحداث ١٤ أغسطس ٢٠١٣ أثبتت بالدليل القاطع عدم صحة ذلك، فقد تدمرت الكثير من الكنائس وتم نهب ممتلكاتها بالكامل قبل إضرام النار بها، وبالطبع لم يجد الإرهابيون فيها أيّ أسلحة، وإلّا لما ترددوا لحظة في الكشف عن ذلك، كما أنه إذا كانت الكنائس بالفعل تمتلك أسلحة داخلها، ألم يكن من المنطقي استخدامها للدفاع عن نفسها في تلك الاحداث؟؟

 

رأي الخبراء الأمنيين

يحبذ العميد خالد عكاشة الخبير الأمني ومدير المركز الوطني للدراسات الأمنية هذا التوجه، ولكنه يرى أن تدريب الكشافة الكنسية يحتاج إلى ضوابط ومحاذير وتروٍ ولا تترك للمدنيين، خاصةً محافظة المنيا التى تكررت فيها الحوادث الطائفية في الفترة الأخيرة.

وأكد أهمية أن يقتصر التدريب والتأهيل على المهمات التنظيمية والإدارية التي يمكن اسنادها إلى الكشافة الكنسية كأدوار مساعدة مثل تنظيم الدخول، مراجعة البيانات والتعرف على المترددين وإرشادهم، أما عن المهمات الأمنية فلا يمكن إلا أن تكون عن طريق جهة أمنية واحدة وهي الشرطة المصرية. وغير ذلك يسمح بالثغرات الأمنية التى نجمت عن ازدواج الأدوار، وظهر أثرها في بعض العمليات الإرهابية الأخيرة على حد قول العميد عكاشة.

واشار إلى أنه من الخطأ تداول مثل هذه الأمور في وسائل الإعلام في ظل حالة الاحتقان الموجودة في الشارع المصري، وكان الأجدر التنسيق بين مديريات الأمن والكنائس التي تقع في محيطها الجغرافي محلياً، حتى لا تكون المعلومات عن أفراد المجموعات الكشفية متاحة هكذا في وسائل الإعلام للإرهابيين، ويصبحون صيدًا سهلاً في متناولهم.

 

التخوف من إنشاء الميليشيات

وفي تعقيب على تلك الدعوة يقول الكاتب زاخر إنها دعوة غابت عنها المهنية والرؤية. وبرأي زاخر فإن المؤسسة الأمنية وكأنها تريد أن تتنصل من مسؤولياتها تجاه المواطنين، وترمي الكرة في ملعب الكنيسة، وهي دعوة مرفوضة شكلاً وموضوعًا لأنه قد يستتبعها ردود أفعال مماثلة تؤدي إلى ما أسماه "لبننة" الحالة المصرية، بتكوين ميليشيات مسلحة وهو أشد ما يخشاه لأننا في هذه الحالة لا نقدر على تحمل تبعات نتائجها مسلمين ومسيحيين.

  • ناشط حقوقي مصري