لعلّ أحد أبرز إيجابيَّات النقاشات المفتوحة بين العلمانيّين وخصومهم هي أنَّ هؤلاء الخصوم سيكونون مضطرين ليس فقط لشرح اعتراضاتهم فيما خصَّ العلمانيَّة بل لمحاولة إيجاد الحجج المقنعة والمنطقيَّة.

   قد تكون النقطة الأهمّ التي يحاول خصوم العلمانيَّة تسجيلها هي تصوير العلمانيَّة منذ البداية وكأنَّها في علاقة إشكاليَّة مع الدين. فهي، بحسبهم، لا تفهم الدين، أو"حقيقة الدين". وهي، أي العلمانيَّة، لا تفصل بين "التجارب الدينيَّة الفاشلة" و"حقيقة الدين أو ماهيَّة الدين الناصعة والإنسانيَّة"، ليصلوا في النهاية إلى تصوير العلمانيَّة "دينَ العصر الجديد" الذي يحاول أخذ مكان الأديان التقليديَّة من خلال فصل الدين عن الدولة.

 

حقيقة العلمانية والدين

لكنّ ما يغفل عنه خصوم العلمانيَّة هو أنّ العلمانيَّة، بخلاف ما يدّعون، لم تقل يومًا أنّها "دين". فالعلمانية ليست إلا فلسفة تقوم على أساس أنَّ "الإنسان هو محور هذا العالم" وأنَّ "كل شيء يجب أنْ يتمَحْوَر حول هذا الإنسان وكيفيَّة خدمته بالشكل الأفضل". وإنَّ هذه العلمانيَّة ليست إلا انتهاجًا للعقل في إدارة الشأن الزمني، والتزام الحياد فيما خصّ الشأن الديني والروحي الذي يُترك للسلطات الدينيَّة والروحيَّة. أمَّا عندما يحاول خصوم العلمانيَّة فصل الدين عن التاريخ، فإنهم يقعون في حالة من التناقض التام: فمن ناحية تراهم يدينون العلمانيّين بأنّهم يحكمون على الدين من خلال التجربة التاريخية، ويدعوهم إلى النظر إلى حقيقة الدين كما هي مفصولة عن التاريخ وعن التجارب. ومن ناحية أخرى يصرَّون على إدخال الدين في كل التفاصيل الزمنيَّة. فحين تقوم لهم بأنَّ الدين يجب أن يكون مفصولًا عن الممارسة السياسيَّة، تراهم ينتفضون ويصرّون على إدخال الدين في "تفصيل التفصيل" السياسي. فهم يرفضون إقحام الدين في التاريخ، ثم تراهم يطالبون بإقحام الدين في صلب العمل السياسي. فكيف يستقيم هذا الأمر؟ لا جواب طبعًا. أمَّا السؤال الأكبر فهو عندما تسألهم التالي: تقولون بأنَّ للدين حقيقة وماهيَّة. حسنًا. هل تستطيعون أنْ تظهروا لنا هذه الحقيقة وهذه الماهيَّة؟ تجدهم يتمتمون عاجزين عن الجواب. تسألهم من جديد: إذا كان للدين حقيقة وماهيَّة كما تدّعون: لماذا بعد مئات ومئات السنين لم نستطع الاتفاق على هذه الحقيقة وهذه الماهيَّة؟ أيضًا لا جواب. هنا تراهم لا يقعون فقط في التناقض، بل في رفض "الواقع التاريخي" محاولين التستر بأمور مجرّدة من مثل "الحقيقة" و"الماهية" التي وعندما تسألهم عنهما تراهم عاجزين عن شرحهما وإظهارهما.

       

 

هل يتقبل الإسلام العلمنة؟

النقطة الأخرى التي يحاول فيها خصوم العلمانيَّة إثباتها هي أنَّ العلمانيَّة أتت "نتيجة مسار تاريخي" حصل في أوروبا ذات الغالبيّة المسيحيَّة وهي بالتالي لا تتسّق والواقع المشرقي العربي ذات الغالبيَّة المسلمة. وهنا يأخذون في إسداء النصائح بأنَّه لا يجب علينا كمجتمعات شرقيَّة عربيَّة أن نستعير العلمانيَّة كما أتتنا من الغرب.

ولكن يبدو هؤلاء أنَّهم يجهلون أنَّ مفهوم وتعبير "العلمانيَّة" هو تعبير مشرقي عربي وهو إنتاج بيروتي صدر مضمونه في العام 1861 بقلم المعلم بطرس البستاني في وطنيَّته العاشرة عام 1861 عندما قال بضرورة "فصل الرياسة [أي السلطة الدينية] عن السياسة [أي السلطة السياسية]". وليدرج تعبير "علماني" للمرَّة الأولى في القاموس العربي "محيط المحيط" في العام 1871. إذًا العلمانيَّة ليست استعارة من الخارج وخصوصًا من الغرب، إنما هي إنتاج وطني نابع من فكرنا ومعاناتنا وحاجاتنا. طبعًا لهذا المفهوم الكثير من المشتركات مع الأشكال العلمانيَّة الأخرى في فرنسا والفضاء الأنغلوساكسوني والفضاء الجرماني والفضاء الياباني والفضاء الاسكندينافي، ولكن يبقى مفهومًا مشرقيًا عربيًا أصيلاً يحاول المصالحة بين الأصالة المشرقيَّة-العربيَّة والحداثة الآتية من الغرب.

 

العلمنة ك"اختراع للإستعمار"!   

هناك أيضًا نقطة يحاول دومًا خصوم العلمانية أن يستعملونها لمهاجمة العلمانيَّة والانتقاص من إنسانيَّتها وكونيَّتها: إنَّها الاستعمار. حجَّتهم أنَّ العلمانيَّة لا يمكن لها أنْ تكون إنسانيَّة داخل المجتمعات الغربيَّة واستعماريَّة استغلاليَّة في المجتمعات الأخرى المستعمَرَة. وجوابنا هو: إنَّ الاستعمار لا يحصل تحت عنوان العلمانيَّة، فالاستعمار يكون دومًا لأسباب جيوبوليتيكيَّة واقتصاديَّة. إذ كلّ دولة تمتلك من الإمكانات والقدرة ما يمكّنها من استعمار الدول الأخرى تجدها تقوم بهذا الأمر، وبالتالي إنَّه أمر مفصول عن العلمانيَّة.

إنَّما العلمانيَّة هي تدبير داخلي هدفه الإدارة الناجحة للمجتمع التعددي بما يكفل الحريَّات والمساواة والحداثة، وهي ليست إيديولوجيَّة استعماريَّة. ناهيك عن أنَّ الاستعمار لم تمارسه فقط الدول الغربيَّة العلمانيَّة، بل أيضًا مارسته شعوب أخرى بإسم الدين: فهل هذا يجرّد الدين من أخلاقياته وإنسانيته؟

 

عند توضيح هذه النقاط تجد هذا الخصم مُقرًّا بأنَّ العلمانيَّة "ليست من الشيطان"، بل هي تجربة إيجابيَّة يجب الأخذ بها. لعمري إنَّ هذا الإقرار لهو شهادة الحقّ.

  • أستاذ جامعي لبناني له كتاب "علمانية من عندنا"