على الرغم من كونه أحد أبرز الشخصيات اللبنانيَّة العامّة، يبقى الرئيس-العماد ميشال عون لغزًا يحتاج إلى الكثير من الوقت لتبيان معالمه. قد يكون الكتاب الأخير "ما به أؤمن" الصادر عن مؤسسة ميشال عون أبرز دليل على ذلك. في هذا الكتاب نجد العماد الهادئ، المتأمل، الناظر إلى الأفق وإلى المستقبل من خلال استذكار تجارب الماضي. في هذا الكتاب أيضًا نجد عمق ما يفكّر فيه العماد وما يؤمن به أيضًا.

       

علمانية عون بين السياسة والفكر

شخصيًّا لن أدخل بنقاش القناعات الإيمانيَّة والشخصيَّة، بل سأحاول الإضاءة على نقطتين خطيرتين تكشف حقيقة ما يفكر  ويؤمن به العماد على المستوى الوطني: العلمانيَّة وحرية الضمير. فعند حديثه عن عودته إلى لبنان في العام 2005 وخوضه الانتخابات النيابيَّة، يعيد العماد-الرئيس تذكيرنا بالعناوين الأساسيَّة لهذه المعركة. لا تتفاجأوا: فالعلمانية تأتي في البداية، يليها عناوين كمثل التغيير والإصلاح والشفافية والتدقيق في الحسابات المالية للدولة، ومكافحة الفساد، وبسط سيادة الدولة على كافة إقليم الجمهورية اللبنانية. صحيح أن عنوان العلمانية غاب ليحلّ محلّة عنوان "التغيير والإصلاح" الذي رافق مسيرة التيار الوطني الحرّ من العام 2005 وحتى تبوّء العماد لسدّة الرئاسة، غير أنّه من الواضح انه لم يغيب أبدًا عن فكر العماد وقناعاته، فها هو في كتابه الأول بعد الرئاسة يضع العلمانية أولى ضمن عناوين النضال الوطني. بعض المواقف تؤكّد توجّه العماد العماد العلماني وأهمها تصريحه الشهير في حزيران 2015 عندما حذّر الأفرقاء السياسيين من أنّ سياسة التهميش المتبعة بحقّ المسيحيين قد تقود هؤلاء للمطالبة بالفدرالية، غير أنّه وفي التصريح نفسه لم يتوانى عن التصريح بأن مشروعه ومبتغاه الأساسي هو إقامة الدولة العلمانية – هذه الدولة التي ترد في البند العاشر من ميثاق التيار الوطني الحرّ -.

       

حرية الضمير

تكتمل صورة العلمانية في حديث العماد عون عن "حرية الضمير" في استذكاره لخطابه الرؤيوي الذي وجّهه إلى المؤتمر الذي انعقد في فرساي في 24 كانون الثاني 2002 "حوار أم صدام بين الحضارات". في هذا الخطاب يظهر واضحًا كيف أن العماد-الرئيس مقتنع تمامًا بأن الحوار يجد جذوره في "حرية الضمير" (Liberté de conscience)، هذه الحرية التي لا وجود لها في المجتمعات المولّدة للإرهاب. حرية تجد معناها الكامل، بحسب خطاب العماد عون، في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، لاسيّما المادة 18 منه، التي تنص على أنه لكل شخص الحق بحرية الفكر والضمير والدين، والحق في تغيير دينه واقتناعه والتعبير عن إيمانه كما يشاء. هذه الحرية التي تناقض كل فكر أحادي. وبالتالي لا حوار ما بين الحضارات إن لم يكن مؤسَّسًا على حرية الضمير والاعتراف بحرية الآخر وبالتعددية. أمَّا الدين فهو، بنظر العماد-الرئيس مضطر للحاق بتطوّر المجتمعات.

        إذًا، إنَّها علمانيَّة متلازمة وحريَّة الضمير وحقوق الإنسان والإقرار بالتعددية وضرورة قبول تفسير الدين بما يتناسب وحاجات وأسئلة المجتمعات المعاصرة. لعمري إن في هذه النقاط تصوّراً واضحاً للعماد-الرئيس ليس فقط للمجتمع اللبناني، بل للشروط اللازمة لقيام حوار بين الثقافات والحضارات والشعوب.

 

خطاب "التيار" بين العلمنة والمسيحية  

هنا يسأل سائل، لماذا يركّز التيار الوطني الحرّ خطابه على الحقوق المسيحية في الجمهورية اللبنانية؟ ولماذا تغييب الخطاب العلماني الداعي لحرية الضمير؟ أكثر من ذلك لماذا عدم سبر أي حركة نضالية للتيار الوطني الحرّ في سبيل أخذ النظام السياسي والمجتمع اللبناني بشكل عام لمزيد من العلمنة أكان في قانون الإنتخابات أو في الخطاب السياسي أو في التسويات السياسية التي قام بها التيار مع خصومه السياسيين؟ لماذا لم يقدّم أي من التيار الوطني الحرّ اقتراح قانون مدني للأحوال الشخصية والدفع شعبيًا تجاهه؟ لماذا لا يسعى التيار لتعميم الثقافة العلمانية ليس فقط بين محازبيه بل بين اللبنانيين بشكل عام؟ طبعًا لا تقف الأسئلة هنا؟

       

أكمِل الإنجازات بالزواج المدني

قد يكون كتاب العماد-الرئيس "ما به أؤمن" الصادر بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية بما يحتويه من تذكير بعناوين من مثل العلمانية وحرية الضمير والشرعة العالمية لحقوق الإنسان، إشارة من سيّد العهد لبعض ما سيحاول إنجازه على هذا الصعيد. ولربما الإشارة التي أتتنا من خلال تعيين مدير عام جديد للأحوال الشخصية مكان المديرة السابقة التي وقفت حاجزًا بوجه الموافقة على الزواج المدني على الأراضي اللبنانية، لبارقة أمل جديّة. هل ستستتبع هذه الخطوة باقتراح قانون مدني للأحوال الشخصية مدعوم من الرئيس وكتلته؟

فلنتذكر أن أهمّ إنجازات نابوليون بونابرت بعد الثورة الفرنسية لم تكن حروبه وفتوحاته العسكرية، فهذه كلها ذهبت أدراج الرياح بعد معركة واترلو. فكل ما بقي من عهد نابوليون بونابارت كان إقراره لقانون مدني للأحوال الشخصية، هذا القانون الذي صار نموذجًا لكل المجتمعات المتقدمة والمعلمنة.

  • أستاذ جامعي لبناني