بدأت عملية العلمنة في سوريا إبان الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن العشرين ثم استمرت تحت حكومات متعاقبة منذ الاستقلال. وقد حكم سورية حزب البعث القومي العربي منذ عام 1963، وقام نظام البعث بجمع الإشتراكية بالإيديولوجية العلمانية، وطبعا لم تكن العلمانية مطبقة أو معتمدة بالكامل في سورية ولكنها طبقت جزئيا وهذا ما ميّز سورية عن بقية دول المنطقة.

 

علمنة البعث الجزئية

ويضمن الدستور الحرية الدينية لكل الطوائف الدينية المعترف بها، بما في ذلك العديد من الطوائف المسيحية. تُدار جميع المدارس من جانب الحكومة وهي غير طائفية، على الرغم من أن هناك تعليماً دينياً إلزامياً، في الإسلام أو المسيحية. لا تتسامح الحكومة مع أشكال الإسلام السياسي او التطرّف الديني، ويستند النظام القانوني السوري أساساً على القانون المدني، وتأثر بشدة بفترة الحكم الفرنسي. إلى ذلك لدى سوريا محاكم علمانية ودينية منفصلة، وتسمع الدعاوى المدنية والجنائية في المحاكم العلمانية، بينما تتعامل المحاكم الشرعية مع المسائل الشخصية والعائلية والدينية في قضايا بين المسلمين أو بين المسلمين وغير المسلمين. وتملك الطوائف غير المسلمة محاكمها الدينية الخاصة باستخدام القوانين الدينية الخاصة بها منذ عقودز

 

"الإسلام هو الحل"

في المقابل، بدأ الإسلاميون في رفع شعار أصبح مادةً للتندّر فيما بعد، «الإسلام هو الحل»، وانتهى هذا الخيار بعد صدامات إلى الارهاب الذي رافق تبني هذه الشعارات من قبل الاخوان المسلمين في فترة الثمانينات. وكان واضحاً من خلال الأدبيات ومن خلال الممارسات أن كثيراً من الإسلاميين يظنّون، ويُوحون للآخرين بالحال وبالمقال، أن كل ما كان مطلوباً هو أن يتمَّ تبنّي الشعار من قبل النظام السياسي لتظهر على أرض الواقع بعد ذلك فوراً حلول سحرية تعالج جميع مشكلاتنا وأزماتنا المستعصية.

وفي هذه الأيام، يبدو إلى حد ما أن التاريخ يكرّر نفسه. ففي مقابل واقع العنف والاحتراب في منطقتنا بشكل عام، وفي سوريا تحديداً، والذي يُردُّ بأشكال ودرجات مختلفة إلى الإسلام، والمنطق هذا يستبطن ضمناً، بتبسيط واختزال، مقدّمة تقول: «ها قد ثبت فشل الإسلام» من قراءة الواقع السوري اليوم، وبالتالي فإن بديلنا، علمانيةً أو ليبراليةً أو حداثة، هو الحل بالضرورة.

تتمثل الإشكالية التي نتحدث عنها هنا في مسارين: يتعلق الأول بالمفارقة بين النظرية من جانب وممارسات حاملها من جانب آخر، ويتعلق الأمر بالغالبية العظمى من النخبة السورية؛ ويتمظهر الثاني في فقر مُدقع من ناحية العطاء الثقافي والطروحات النظرية.

 

ثمة، بالتأكيد، مثقفون ونشطاء وإعلاميون سوريون يصفون أنفسهم أو يصفهم الآخرين بعناوين الليبرالية أو العلمانية أو الحداثة، ومِن هؤلاء مَن يُعتبر عطاؤه علامة فارقة في مسيرة سوريا الثقافية. الطريف أن هؤلاء هم أقلّ الناس تركيزاً على الشعارات والتصريحات والصخب الإعلامي، وأكثر الناس عملاً على خدمة بلادهم وأهلهم السوريين من خلال ممارساتهم وجهودهم الفكرية. لكن الصخب والضجيج يبدوان من نصيب شريحة أخرى تُصرّ على رفع الشعارات وعلى تأكيد صفتها «الليبرالية» أو «العلمانية» أو «الحداثية» في كل مناسبة، وأحياناً من غير مناسبة، رغم أن طروحات هؤلاء وممارساتهم تبدو أبعد ما تكون عن كلّ ما يمتّ بِصِلَة لقِيَم ومنطلقات تلك العناوين.

 

بناء المؤسسات على حساب الهويات الأولية

إذن ما هو الحل؟ وخصوصا في مرحلة ما بعد الحرب ؟! منذ منتصف القرن الماضي تعرضت بلادنا لإنقلابات وتيارات دينية فاشلة، لكن ما نحتاجه هو أن نبدأ بتأسيس وتعميق المرجعية الشعبية في الحكم والتشريع من خلال مؤسسات تشريعية منتخبة، مع طرح دور العقل في الدين لفهم النصوص وأن نأخذ الأمر بجدية بلا خوف. وأن تطهر المؤسسات ذاتها من التطرف والمتطرفين. ليس هناك طريق آخر.. نحتاج شجاعة وعقلانية ومثابرة والتأكيد على الديمقراطية وتحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين، بما في ذلك المساواة بين الرجل والمرأة.

 

إن تحقيق النهضة والبدء في تبني علمانية صحيحة يحتاج إلى أربعة عناصر :

  1. قيم ومبادئ دينية تتجاوب مع العصر والمستقبل.
  2. هوية ثقافية حضارية.
  3. تطبيق الديمقراطية والفصل بين السلطات والعدل وتكافؤ الفرص.

 

خلال سنوات الحرب الدامية تفكّك نسيج المجتمع السوري، وعادت نوبات الأصوليّة؛ لتطفو على السطح من جديد، معلنةً حالة الضياع التي وصل إليها الشارع السوري بكافة أطيافه، وساهم في تكريس هذا الضياع غياب الوعي.

في هذا السياق لنعرف مدى إمكانية استيعاب الشعب السوري لنظام حكم عَلماني، يتوجّب علينا نقد العلاقات والبنى الاجتماعية والسياسية وخلفياتها الثقافية والأخلاقية. إذ لا تزال البنى العائلية والعشائرية والاثنية والمذهبية تقتسم الفضاء الاجتماعي، وتحول دون تشكّل فضاء عام مشترك بين الأفراد والجماعات، وتحول من ثم دون تشكل وطنية سورية، والوطنية (القومية) مُنجز عَلماني بامتياز، ولكنها لا تخلو من جرثومة عنصرية منسوجة من عرق وعقيدة دينية. إذا نمت هذه الجرثومة تكفّ الوطنية أو القومية، وتكفّ معها الدولة عن كونها عَلمانية، لأن الدولة تنتكس من دولة قانون ومؤسسات عامة إلى دولة امتيازات، مقابلة للولاءات المذهبية والاثنية والجهوية والحزبية.

 

 المسار الصعب للعلمنة السورية

إن السوريين ينشدون العَلمانية التي ترتكز على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية والجدارة واستحقاق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالتساوي، بغضّ النظر عن الجنس والعرق والدين ولون البشرة وامتيازات الولادة، ولكنهم يخافون من لفظة "عَلمانية"، ويعتقدون أنها تتعارض مع النُظم الدينية، وعندما يحقّق لهم النظام العَلماني ما يصبون إليه، ستتغير هذه الأفكار، فنسبة كبيرة من المجتمع السوري أبعد ما يكون عن التشدّد، وما يظهر اليوم من نوبات التعصّب هو حالة طارئة وآنية.

مما لا شك فيه أن سورية ليست دولة دينية بل هي بلد الموزاييك الديني والمذهبي، والقوانين المدنية السورية التي تنظم الحياة العامة ليست قوانين معتمدة على الشريعة الإسلامية غالباً. و لكن هذا النصف المشرق ما يلبث أن يتحول إلى نصف مظلم عندما يتعلق الأمر بالحياة الخاصة الأسرية وبخاصة ما يتعلق بأوضاع النساء السوريات. فيصبح من الضروري أن يُحتكم إلى الشرع على مختلف مشاربه الدينية في حين تتحفظ الحكومة السورية على معظم مواد اتفاقية إلغاء التمييز ضد المرأة بدواعي مخالفتها للشريعة الإسلامية وحتى عندما تتقدم دراسات فقهية و شرعية تثبت عدم اتفاق الشرع مع تحفظاتهم يؤخذ بالرأي المتشدد!!

وترى الحكومة السورية أن لرجال الدين دوراً كبيراً في الموقف من قضايا المرأة. وعندما علت الأصوات المطالبة بوقف قتل النساء السوريات بدواعي “الشرف”، دعي رجال الدين على مختلف انتماءاتهم من قبل الحكومة لإبداء الرأي، على الرغم من أن القضية هنا قضية عرف اجتماعي وقبلي وليس دينياً كما بينها المفتي العام للجمهورية وعدد من علماء الدين المتنورين.

وأما تطوير قانون الأحوال الشخصية وصولاً إلى قانون أسرة عصري فهو اليوم بات من سابع المستحيلات بعد صدور المرسوم التشريعي رقم 76 تاريخ 26-9-2010 القاضي بتعديل المادة (308 ) من قانون الأحوال الشخصية العام لترسخ تعدد قوانين الأحوال الشخصية تبعاً للدين والطائفة والتي جاء فيه:

تطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق بالخطبة وشروط الزواج وعقده والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحلّه وانفكاك رباطه، وفي البائنة “الدوطة” والحضانة والإرث والوصية.

ومن كل ما تقدم اخلص الى القول ان المهمة صعبة ولكنها غير مستحيلة وهي الخلاص الوحيد لسورية المستقبل!

* أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة